البحث العلمي بين النشر والسباق العالمي
الدكتور باسم شومر
الكاتب : د. هند عبدالله بشير
منظمة المجتمع العلمي العربي
03:01 مساءً
22, مايو 2014
استراتيجيات التميّز العملية المتّبعة عند علماء الطب المسلمين
لا شك أن المستوى المعجز للإنجاز العلمي و الطبي و الإنساني لعلماء حضارتنا الإسلامية المجيدة كانت له أسبابه المباشرة. و بدراسة تحليلية مكثفة للسير الذاتية الحياتية لهؤلاء العظماء و سبلهم التي اتبعوها، نستطيع أن نصل إلى المشترك من هذه السبل المنظمة أو الاستراتيجيات إن صح التعبير، و سنكتفي في هذه المقالة بعرض لأهم هذه الاستراتيجيات العملية الإجرائية دون التطرق إلى المعتقدات و القيم و المبادئ العميقة التي كانت وراء هذه الاستراتيجيات و التي سنبحثها في مقال آخر إن شاء الله.
التنشئة الأسرية الخاصة و تحصيل المعارف المتعددة و المكثفة منذ الصغر (التربية و التعليم المناسب منذ الصغر برعاية و إشراف مباشر من كلا الأبوين أو أحدهما): و كان هذا هو بداية طريق التعلم في العموم الأغلب من العلماء كنشأة ابن سينا و ابن البيطار و ابن مندويه الأصفهاني و ابن زهر في عائلته الأندلسية المشهورة في توارث الطب و أيضاً عائلة بختيشوع التي توارثت الطب أيضاً لعدة اجيال.
لكن بالمقابل و في مجال النشأة المعرفية العلمية المبكرة التي ساعدت الأسر في تكوينها عند أغلب النماذج الطبية المبدعة في دراستنا، نجد مثالاً آخر عن النشأة العصامية و الجهد الذاتي المبذول في التعلم منذ الصغر. و خير مثال على ذلك هو الطبيب ابن رضوان المصري الذي مات أبوه و هو في الرابعة عشرة من عمره، فاشتغل بعدة صناعات كالطب و التدريس ليعول نفسه، حتى نبغ في الطب و ظل يكبر في نبوغه حتى صار رئيس الأطباء للحاكم صاحب مصر.
السفر لتحصيل العلم و المتابعة العلمية الأقوى ( السفر للتحصيل و التطوير)
لقد تميّز علماء الطب المسلمون بطموحهم العلمي الشديد و سعيهم الدؤوب في سبيل ذلك، و جلّهم لم يكتف أبداً بما هو متاح من العلوم في منطقته، بل وجّهوا عيونهم شطر جميع البلاد المحيطة و تعرّفوا على جهابذة العلماء و مجامعهم العلمية، و سافروا إليهم و تحمّلوا في ذلك العظيم من المشاق .
فهذا أبو بكر الرازي و الذي ولد في مدينة الرّي جنوب شرق طهران و درس فيها العلوم الشرعية و الطبية و الفلسفية، لكن ما درسه لم يشبع نهمه لطلب العلم – بالمستوى الذي يريد- فلم تكن مدينة الرّي – على اتساعها و كثرة علمائها- بالمدينة التي تحوي علوم الأرض في ذلك الوقت، لذلك يمّم الرازي وجهه شطر عاصمة العلم آنذاك بغداد، و رحل إليها في شبه بعثة علمية مكثفة تعلّم فيها علوماً كثيرة، و لكنه ركّز اهتمامه في الأساس على الطب. و رحلات ابن البيطار المشهورة عبر بلاد كثيرة لدراسة النباتات و للقاء العلماء المختصين في هذا المجال و تبادل المعلومات والخبرات.
عدم التردد في قبول المراكز و المناصب التعليمية العلمية و السياسية التي تعرض عليهم من قبل المسؤولين (توسيع دوائر النفوذ و التأثير و تعميم الفائدة ) لقد نالت العلوم و المعارف الثقافية الانسانية المختلفة الاهتمام الأكبر من الخلفاء و الأمراء و الحكام المسلمين، و كانت رعايتها و العمل على تطويرها بتأمين جميع الوسائل و المستلزمات اللازمة لذلك من المسؤوليات المباشرة التي أوكلوها لأنفسهم. و من أهم هذه المستلزمات هي رعاية المتميزين ممن ذاع صيته من العلماء الأجلّاء و خاصة الأطباء منهم و خاصة الذين ثابروا و أضافوا بدايةً بجهودهم الذاتية و الشخصية، فكان الخلفاء أو الأمراء يستقدمونهم إليهم و يضعون في متناول أيديهم كل المؤلفات و الكتب و يتعهدون بالإنفاق عليهم و تأمين كل ما يطلبوه في سبيل الترجمة أو التأليف أو التعليم أو العمل الطبي نفسه. ثم يقلّدونهم بعد ثبات نبوغيتهم المناصب الرفيعة ليكونوا مع أتباعهم يداً قوية تدفع بحركة التطوير الحضاري إلى الأمام. و كان الأطباء المسلمون لا يترددون في قبول هذه المناصب مهما كانت لعلمهم الأكيد بقدرتهم على استثمارها خير استثمار في سبيل مصلحة العلم و في سبيل مصلحة العباد و البلاد.
ولعل خير و أفضل مثال على أن المناصب في الدولة الإسلامية لا تؤخذ إلا بالكفاءة وحدها، و أنها معروضة لكل من نبغ فاستحقها، هو ارتفاع منزلة الطبيب النابغة يوحنا بن ماسويه ليصير الطبيب الخاص لخلفاء بني العباس في عهد قوتهم و أوج سلطانهم، و هو الطبيب النصراني السرياني، و الذي تتلمذت على يده أعداد كبيرة من أطباء عصره، و خرجت من تحت يده أيضاً الكثير من المؤلفات القيمة بسبب خبرته العظيمة في الترجمة.
وكلنا أيضاً نعرف عائلة بختيشوع الطبية و مكانتها الخاصة جداً عند خلفاء بني العباس و ما كان منهم من الوزراء و الأطباء البارزون المحنّكون. و الذين كانوا يتوارثون العلم كما المناصب.
أي أن السلطات في الحضارة الإسلامية و ما يتبعها من إمكاناتها الضخمة كانت تسخّر كلها في مصلحة تطوير العلم.
و تميّز معظمها بالتوضيحات الفنية عن طريق الرسوم لتوضيح تشريح الجسم و الأعضاء أو لتوضيح سير العمليات الجراحية و أدواتها اللازمة. و تشكل مخطوطة حنين بن اسحاق (العشر مقالات في العين) أقدم رسم تشريحي في تاريخ الطب. و رائعة هي صورة المناشير العربية الجراحية الموجودة في نسخة من كتاب ابي القاسم الزهراوي الموجودة في المكتبة الوطنية بباريس 205. و الصور التي توضح أدواته في الجراحة و البالغ عددها أكثر من 200 أداة في كتابه ( التصريف لمن عجز عن التأليف).
ونؤكد أخيرا أنّ ذلك التطور العلمي و الإبداعي في المجال الطبي و المجالات الأخرى التي كانت نتيجة و رديفاً له ثم دافعاً له نحو الأمام، لم يكن ليحدث أصلاً لولا تطوّر المستوى المعرفي الحضاري الإنساني ككل، و الاستثمار الذكي و الحكيم من قِبل الخلفاء و الحكماء في مجال المعرفة الانسانية. حيث تكون المواهب و الابداعات الانسانية خير مطوّر للأمم، لأنها هي من تخلق أدوات و سبل التطوير الأخرى بكامل جوانبه و هي من تعمل على إشباع احتياجاته و تأمين مستلزماته، لإطلاق أروع الملكات و الابداعات واستثمارها خير استثمار.
وهذا هو السر وراء هذه الحضارة المعجزة التي لا يمكن تمييزها أو النظر إليها بمعزل عن روّادها الذين كانوا منها و فيها، فكانوا لها. كانوا صنعتها، فزادوها. فكان حقاً تاريخياً لهم، ملازمة أسمائهم لاسمها.
البريد الالكتروني للكاتب : dr.m.hind@gmail.com
الكلمات المفتاحية