للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

ميكروبات صنعت لها مكاناً في التاريخ - الحمى الصفراء

  • الكاتب : أ. د. عبدالرؤوف علي المناعمة

    الجامعة الإسلامية – غزة / فلسطين

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    12:29 م

  • تاريخ النشر

    29 أغسطس 2017

عرف التاريخ أحداثاً مِفصلية غيرتْ مجراه، كما شهد أيضاً معاركَ طاحنة، وملاحم بطولية، وأفكاراً إبداعية، واختراعاتٍ مذهلة، وأُناساً عُظماءَ؛ بدَّلوا مسار العالَم، لكننا اليوم سنتحدث عن ميكروبات طُبعتْ في ذاكرة التاريخ؛ وصنعتْ لنفسِها مكاناً في صفحاته. عارضين تاريخاً موجزاً عنها، وسنستعرض أهم ما ميَّزَها من خصائص أهَّلتها لتتبوأ مكانتَها، وكيف تعامل الطب والعلم معها.

الحمى الصفراء (Yellow fever)

هي عدوى فيروسية يتسبب في حدوثها فيروس يندرج تحت عائلة الفيروسات المصفرة (Flavivirus)، وينتقل من خلال البعوضة المعروفة باسم الزاعجة المصرية (Aedes aegypti) التي تعيش وتزدهر بالقرب أو في مناطق السكن، وتمتاز بقدرتها على التكاثر حتى في أنظف المياه. تتسبب العدوى في أضرار تؤثر على كل من الكبد، الكلى، القلب وكذلك الجهاز الهضمي. وقد تشمل الأعراض الرئيسية ظهور مفاجئ للحمى، اليرقان والنزيف. تنتشر العدوى بشكل كبير في مناطق أمريكا الجنوبية، جزر الكاريبي وإفريقيا، فتؤثر على المسافرين إلى تلك المناطق وكذلك المقيمين فيها. ينتقل المرض من خلال لدغات البعوض المصاب.  وتكون الإصابة بالحمى الصفراء أكثر شيوعا في البشر والقرود، فعندما يلدغ البعوض إنساناً أو قرداً مصاباً بالحمى الصفراء، يدخل الفيروس مجرى الدم للبعوض ثم يستقر في الغدد اللعابية. وعندما يلدغ البعوض المصاب قردا أو إنسانا آخر، فإن الفيروس يدخل إلى مجرى الدم في الضحية، فيسبب له المرض. وتزداد معدلات الإصابة بالمرض في الصيف نظرا للزيادة في أعداد البعوض الذي يشهد أعلى نسبة تكاثر؛ نظراً للحرارة والرطوبة الملائمة. أما في مناطق المناخات الاستوائية، فإنها تشهد حالات العدوى على مدار العام.

يعتقد العلماء أن الحمى الصفراء نشأت في غابات أفريقيا المطيرة منذ حوالي 3000 سنة. وكان الفيروس في بادئ الأمر ينتقل (دائرة الحياة للفيروس) ما بين البعوض والقرود، وقد أصاب بعض الأشخاص ولكن بأعداد قليلة، ذلك لأن البشر كانوا يعيشون في القرى، إلى أن تكيف البعوض الحامل للفيروس مع حياة القرى ثم المدن الكبيرة والساحلية. ومع توسع صناعة النقل البحري والتجارة العالمية، تمكنت الحمى الصفراء من الوصول إلى نصف الكرة الغربي، وذلك من خلال سفن الرقيق (تجارة البشر) القادمة من غرب أفريقيا. و في عام 1648، تم تسجيل أول حالة وبائية موثقة للحمى الصفراء في شبه جزيرة يوكاتان (Yucatan Peninsula). وبين عام 1668 و1699، تم الإبلاغ عن حالات تفشٍ على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، بما في ذلك في نيويورك (1668)، بوسطن (1691)، وتشارلستون (1699). ثم شقت الحمى الصفراء طريقها إلى أوروبا في عام 1730، حيث تم الإبلاغ عن 2200 حالة وفاة في قادس-إسبانيا، تلاها حالات تفشٍ في الموانئ الفرنسية والبريطانية.

حتى منتصف القرن التاسع عشر، كان العلماء يعتقدون أن الحمى الصفراء تنتشر عن طريق الاتصال المباشر مع الأشخاص المصابين أو الأشياء الملوثة، إلى أن تم تقديم أول إشارة بأن الناقل قد تكون بعوضة وذلك من قبل الطبيب الأمريكي جوشيا كلارك نوت في عام 1848 والطبيب الكوبي كارلوس فينلي في عام 1881. بين عام 1839 و1860، أصيب حوالي 26،000 شخص في نيو أورليانز بالحمى الصفراء. مع نهاية القرن التاسع عشر، وخلال الحرب الإسبانية الأمريكية القصيرة، توفي أقل من 1000 جندي في المعركة، ولكن أكثر من 5000 لقوا مصرعهم بسبب المرض في كوبا، وكانت معظم هذه الوفيات بسبب الحمى الصفراء، وفقا لسجلات لجنة الحمى الصفراء للجيش الأمريكي، قام الجيش الأمريكي بتشكيل لجنة الحمى الصفراء لدراسة سبب انتشار العدوى، وفي عام 1900، أثبتت اللجنة أن الحمى الصفراء تنتقل عن طريق البعوضة الزاعجة المصرية، وحدث آخر تفشٍ في الولايات المتحدة في نيو أورليانز عام 1905.

وبعد إثبات أن البعوض هو المسؤول عن نقل الحمى، بدأت برامج الصرف الصحي المكثفة في بنما وهافانا-في كوبا. وأدت هذه الجهود إلى استئصال المرض في تلك المناطق عام 1906. ومنذ ذلك الوقت أصبح القضاء على البعوض الطريقة الرئيسية للسيطرة على الحمى الصفراء، إلى أن تم تطوير لقاح للحمى الصفراء في الأربعينات من القرن الماضي. وبحلول أواخر الثمانينات، قامت منظمة الصحة العالمية ببذل جهود إضافية لزيادة تغطية اللقاحات. في السنوات الثلاثين الماضية، كانت هناك حالات محدودة في كينيا ونيجيريا وليبريا والكاميرون وكوت ديفوار والسنغال في أفريقيا. وفي الأميركيتين: في بيرو وإكوادور وفنزويلا وبوليفيا والبرازيل. قدّرت منظمة الصحة العالمية أنه في عام 2013 تم تسجيل ما يصل إلى 170،000 حالة إصابة بالحمى الصفراء و60،000 حالة وفاة بسبب المرض. وفي عام 2016، أصبح المرض على عناوين الصحف مرة أخرى، حيث حدث تفشٍ للمرض في أنغولا؛ وبلغ عدد حالات الاشتباه بالإصابة حوالي 3867 حالة، وانتشر التفشي إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث بلغ عدد حالات الاشتباه بالإصابة 2269 حالة.

 

وفي الفترة بين 6/ يناير و4 / مايو 2017، أبلغت البرازيل عن 392 حالة من حالات الحمى الصفراء (663 حالة مشتبه بها و729 حالة مؤكدة)، منها 294 حالة وفاة (45 حالة مشتبه فيها و249 حالة مؤكدة). ويبلغ معدل الوفيات بين الحالات المؤكدة 34.2 %. وفي الفترة من بداية عام 2017 إلى 8 / مايو، أبلغت خمسة بلدان أخرى عن حالات مشتبه بها أو مؤكدة للحمى الصفراء، وهي بيرو (14) وكولومبيا (2) وبوليفيا (1) وإكوادور (1) وسورينام (1). وتجدر الإشارة إلى أن هناك نقص في لقاح الحمى الصفراء، مما جعل منظمة الصحة تقوم بشيء لم تفعله من قبل؛ وهو إعطاء الناس جرعات أصغر من اللقاح، والتي توفر حصانة لمدة سنة بدلاً من الحصانة الدائمة التي كانت توفرها الجرعات الكاملة. وقد قامت منظمة الصحة العالمية بالفعل بتطعيم أكثر من 16 مليون شخص وتخطط لتطعيم 13 مليون آخرين. ومع سهولة وصول ملايين الأشخاص إلى السفن والطائرات، أصبحت وسائل النقل الحديث أكثر كفاءة من سفن الرقيق في نقل البعوض والأشخاص المصابين. ولهذا، فان هناك قلق متزايد من انتشار الفيروس إلى أسيا والذي كان غائباً عنها بشكل واضح.

أعراض الإصابة بالحمى الصفراء

خلال أول 3 إلى 6 أيام بعد الإصابة بالفيروس لا يطور المريض أي علامات أو أعراض. بعد ذلك تدخل العدوى مرحلة حادة (Acute phase)، وفي بعض الأحيان مرحلة سامة (Toxic phase) تهدد حياة الأشخاص. أعراض المرحلة الحادة تشمل الحمى، الصداع، آلام العضلات خاصة الظهر والركبتين، الحساسية للضوء، الغثيان والقيء، فقدان الشهية، الدوخة. أما أعراض المرحلة السامة فإنها تشمل اصفرار الجلد وصلبة العينين (بياض العينين)، ألم في البطن، قيء مصحوب بالدم في بعض الأحيان، انخفاض التبول، بطء معدل ضربات القلب، النزيف من الأنف والفم والعينين، فشل الكبد والكليتين، خلل في الدماغ بما في ذلك الغيبوبة والهذيان.

مضاعفات الإصابة بالحمى الصفراء

تتسبب الحمى الصفراء في وفاة  20-50 % من الأشخاص المصابين, أما الناجون فانهم يتعافون تدريجياً على فترة تمتد من عدة أسابيع إلى أشهر, وعادة دون أضرار بالغة في أعضائهم, إلا أنهم قد يواجهون التعب واليرقان. ومن المضاعفات الأخرى للإصابة بالحمى الصفراء، الالتهابات البكتيرية الثانوية، مثل الالتهاب الرئوي أو التهابات الدم.

التشخيص

  • الفحوصات المخبرية: وتشمل فحص الدم الكامل(CBC)، دراسات التخثر، تحليل البول، واختبارات وظائف الكبد.
  • الفحوصات الإشعاعية: تصوير الصدر بالأشعة السينية (Chest radiography) لتقييم الرئة وللكشف عن الالتهابات البكتيرية الثانوية.
  • فحوصات خاصة بالحمى الصفراء: تشمل طرق الكشف السريع (PCR)، الاختبارات المصلية (ELISA) وصبغ الأنسجة المناعية (Immunohistochemical tissue staining) للكشف عن مستضد الحمى الصفراء (الأجسام المضادة).


العلاج

لم تظهر العقاقير المضادة للفيروسات Antiviral drugs  نجاعة في علاج الحمى الصفراء، لذا فان إدارة الحالات المرضية تعتمد بصورة أساسية على الرعاية الداعمة وعلاج الأعراض في المستشفيات، وهذا يشمل توفير السوائل والأكسجين، الحفاظ على ضغط الدم الكافي، تعويض الدم المفقود، توفير غسيل الكلى  لحالات الفشل الكلوي، ومعالجة أي عدوى أخرى قد تتطور لدى المريض.

الوقاية

يعد اللقاح أكثر طرق الوقاية كفاءة وفعالية ضد المرض، حيث توفر جرعة واحدة من لقاح الحمى الصفراء الحماية لمدة 10 سنوات على الأقل. الآثار الجانبية عادة ما تكون خفيفة، وتستمر من 5 إلى 10 أيام، ويمكن أن تشمل الصداع، حمى خفيفة، آلام في العضلات، والتعب وآلام في موضع الحقن. وهناك بعض ردود الفعل الأكثر خطراً والتي تحدث عادة في الرضع وكبار السن مثل؛ تطوير متلازمة مماثلة للحمى الصفراء الفعلية، والتهاب الدماغ أو الموت. ويعتبر اللقاح أكثر أمانا للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 9 أشهر و60 عاماً. كما يجب تجنب السفر إلى المناطق التي يتفشى فيها المرض، وإن كان لابد من ذلك، فيمكن للمسافرين تجنب العدوى من خلال الحصول على اللقاح قبل عدة أسابيع من السفر.

 

البريد الإلكتروني للكاتب: elmanama_144@yahoo.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك