مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

السياحة العِلمية .. وأغرب مؤتمر في التاريخ

الكاتب

الكاتب : أ. د. احمد بن حامد الغامدي

قسم الكيمياء – جامعة الملك سعود – الرياض

الوقت

03:30 صباحًا

تاريخ النشر

03, أغسطس 2017

لحظاتٌ وأماكنُ؛ مَهدُ الاكتشافات والأحداث العلمية المفصلية تستحق أن تُخلَد في التاريخ البشري الجمعي بأسلوب خاص، ولهذا؛ كثر في العقود الأخيرة قيام العديد من الجمعيات العلمية مثل جمعية تقدم العلوم الأميركية AAAS والجمعية الملكية البريطانية؛ بالاحتفال (بالمعالم العلمية Landmarks of Science ) التي شهدتْ اكتشافات محورية كبرى ذات تأثير بالغ في مسيرة البشرية، ونصب لوحة تذكارية في هذه المواقع العلمية.

تتنوَّع مواقع هذه (الآثار العلمية) بشكل كبير، فقد تكون مختبراً علميا أو مصنعَ إنتاج أو منزلَ عالِم؛ أو حتى مطعما خطرتْ للعالم فيه فكرة اكتشاف علمي بارز. بل إن حانة النسر the Eagle pub في مدينة كامبريدج، من المعالم السياحية المشهورة لا لسبب سوى لأن العالِمين جيمس واطسن وفرانسيس كريك احتفلا في هذه الحانة مع زملائهم بتوصلهم لاكتشافهم العلمي الهائل، والمتعلق بمعرفة التركيب الكيميائي للحمض الوراثي DNA، وأنهما بذلك اكتشفا (سر الحياة).

الجدير بالذكر؛ أن نصب وتثبيت ما يسمى اللوحات المعدنية التذكارية memorial plaque هو تقليد شائع منذ القديم للاحتفال بالأحداث السياسية والأدبية والتاريخية المميزة، ولهذا تصبح مع الزمن هذه النصب والأماكن من (المعالم) السياحية الجذابة. وكما أصبح شائعا في حياتنا مصطلحات وبرامج السياحة العلاجية والسياحة الدينية والسياحة الأدبية، فقد أخذ ينتقل تقليدُ وظاهرة زيارة المعالم المشهورة من دنيا التاريخ والأدب إلى دنيا العلوم.

ولهذا نجد حاليا حرص الآلاف من السياح على التصوير مع شجرة تفاح نيوتن في جامعة كامبريدج (مع أن الشجرة الأصلية – لو صحتْ قصة سقوط التفاحة – هي في مدينة وولسثروب الصغيرة التي ولد فيها نيوتن) بينما المئات من السياح الأجانب ربما يرغبون في زيارة (فيلة جاليليو Villa il Gioiello) وهو منزل جميل في ضواحي مدينة فلورنسا الإيطالية، حيث تم تنفيذ الإقامة الجبرية (وليس الحبس أو التعذيب) على جاليليو بعد ما حكم عليه بالاشتباه بالهرطقة ومخالفة الدين الكاثوليكي. في حين أن بعض السياحة العلمية لا تكون لزيارة مختبر أو منزل عالم مشهور، ولكن لزيارة قبره وقد لاحظتُ عند زيارة مبنى البانثيون ذلك المبنى الجميل في قلب العاصمة الفرنسية المسمى بمقبرة العظماء، أن السُّياح والزوار يحرصون أكثر على وضع أكاليل الزهور على قبر السيدة ماري كوري أسطورة العلم المشهورة والحاصلة على جائزة نوبل مرتين.

كل من إعتاد السفر بهدف السياحة؛ يعلم شعور اكتشافه (للفرص السياحية الضائعة). فبعد فترة زمنية من مغادرتك لوجهتك السياحية، تعلم لاحقا أن بها مكانا أو معلما مميزا جديرا بالزيارة والمشاهدة. وعلى نفس النسق إذا كنت مهتما بزيارة المعالم والأماكن العلمية البارزة، تكتشف مع الوقت أنه قد فاتك زيارة مَعْلَم أو مكان ذا أهمية كبيرة مرتبط بتطور العلوم.

أثناء دراستي للغة الإنجليزية في منتصف التسعينات الميلادية أقمت في مدينة مانشيستر البريطانية لمدة ستة أشهر، وفي ذلك الحين لم أترك متحفا أو معلما تاريخيا وسياحيا في مدينة مانشيستر أو في المدن القريبة منها إلا وزُرتُه. وبعد ذلك بسنين علمت أن تجربة العالم الإنجليزي المشهور إرنيست رذرفورد الملقب بأبو الفيزياء النووية والمتعلقة باكتشاف التركيب الداخلي للذرة (نموذج رذرفورد للذرة) تمت في مختبرات قسم الفيزياء بجامعة مانشيستر على مقربة من معهد اللغة الذي كنت أدرس فيه. ولأن هذه التجربة تعتبر إحدى أهم التجارب على الإطلاق في تاريخ العلم الحديث، كما أنها التجربة العلمية الوحيدة حتى الآن التي يتوصل لها عالم مشهورة بعد أن يحقق جائزة نوبل، وبالتالي تطغى أهميتها وشهرتها على تجربة جائزة نوبل (حصل رذرفورد على جائزة نوبل عام 1908 في حين تمت تلك التجربة العبقرية عام 1911)، لذلك أحسستُ أنني أضعت فرصة معرفية كبيرة بعدم زيارة (مبنى رذرفورد) والذي اعتبر منذ عام 1990 أحد أهم المعالم التاريخية والعلمية المميزة في بريطانيا.

  • فرص سياحية ضائعة

    لم تكن تلك فرصتي السياحية التاريخية الضائعة الوحيدة فعبر السنين قمت بحصر وإعداد قائمة خاصة بي تشتمل على (الفرص السياحية الضائعة ذات الطابع العلمي) لمعالم أو أماكن جديرة بالزيارة، لم أعلم بها إلا بعد فترة من مغادرتي للمدينة أو البلد الذي قمت بزيارته. لقد زرت متحف التاريخ الطبيعي بلندن أكثر من مرة ولم أنتبه أنه يحتوي على عينات الطيور التي جمعها العالم المثير للجدل تشارلز داروين من جزر غالاباغوس، وبنى عليها نظرية التطور، وأعتقد أن مشاهدة هذه العينات بنفسي رأي العين أمر يثير الفضول.

    الفرص السياحية الضائعة في حياتي، لم تكن في مجال العلوم فقط فبعد فشلي في الدخول لمتحف أكاديمية مدينة فلورنسا الإيطالية لمشاهدة تمثال ديفيد لمايكل أنجلو، بالرغم من وقوفي في صف طويل في الشارع لمدة ساعة ونصف، إلا أن ما زاد في غبني أنني علمت لاحقا أنه بدلا من ذلك الجهد الضائع، كان بإمكاني أن أشاهد أصبع جاليليو (الأصبع الأوسط لليد اليمنى) المعروض على بعد أمتار قليلة في متحف جاليليو في وسط فلورنسا. ومما يزيد في الشجن؛ إنني لا أعتبر نفسي حظيت بفرصة سياحية مرتبطة بهذا العالم الأسطورة. فبالرغم من أنني ارتقيت وصعدت حتى قمة برج بيزا المائل وبذلك قد أكون تواجدت في (مسرح الحدث) لإحدى أشهر التجارب العلمية إلا أن العديد من المؤرخين يشككون في صحة وقائع تجربة إلقاء الأحجار المختلفة الكتلة من أعلى برج بيزا بواسطة جاليليو. خطورة الانزلاق من قمة برج بيزا المائل أمر محسوس مما يجعل محاولة ألقاء الأحجار الثقيلة (تجربة) غير آمنة. وبالقطع لم يرمي جاليليو الأحجار من قمة البرج لأن الطابق الأخير أصغر من الذي تحته وعليه ربما تمت المحاولة من الطابق السابع. وفي جميع الحالات سوف تكون تجربة إسقاط الأحجار تجربة غير مريحة، فقد شل فكري في تلك الزيارة قلقي البالغ على سلامة أبني عبد الرحمن الذي رافقني في هذا التواجد التاريخي والعلمي الشيق على قمة البرج المائل.  

    من الفرص السياحية العلمية المميزة، التي لم يحالفني التوفيق فيها، أن زيارتي لمدينة فرانكفورت الألمانية؛ كانت بالقطع ناقصة لأنني لم أعرف إلا لاحقا بوجود متحف الأجهزة العلمية الإسلامية التابع لمعهد تاريخ العلوم العربية، الذي أقامه العالم الكبير فؤاد سيزكين. ومن المؤسف والمخجل معاً أنه لم يكن يوجد لفترة طويلة بالعالم الإسلامي أي متحف متخصص بتاريخ العلوم الإسلامية، ولكن بحمد الله تغير الحال أخيرا حيث ساهم فؤاد سزكين نفسه في إنشاء متحف لتاريخ العلوم الإسلامية في اسطنبول، الذي افتتح عام 2008م. كما ساهم كذلك في إنشاء متحفٍ آخر مُصغَّر في رحاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. أما تجربتي الشخصية فإن أجمل وأفضل عرض شيق وشامل عن عراقة الحضارة الإسلامية في مجال العلوم والطب؛ وجدته في متحف واحة العلوم بمدينة غرناطة ولكن للأسف لم يقم الإسبان بتسميته بجناح تاريخ العلوم الإسلامية وإنما أطلقوا عليه أسم (جناح العلوم الأندلسية).

    بسبب افتتاني بغموض ورمزية (الخيمياء) سميت مدونتي الخاصة (الخيمائي) ولسنين طويلةٍ كنت أعجب بلوحة الخيميائي Alchemist لرسام الثورة الصناعية الإنجليزي جوزيف رايت، والتي خلد فيها قصة اكتشاف عنصر الفسفور المضيء. وكالعادة لم أعلم إلا قبل فترة قصيرة جدا؛ أن هذه اللوحة المذهلة موجودة في صالة الفنون بمدينة ديربي البريطانية، وعلى بعد نصف ساعة فقط من مدينة لفبرا التي درست بها لمدة خمس سنوات. وبهذا ضيعت مرة أخرى مشاهدة الأعمال الفنية لهذا الرسام، والذي تعتبر لوحاته من (معالم) الثورة الصناعية في بريطانيا، حيث خصص العديد من رسوماتِه لتخليد العلماء والتجارب العلمية. وعلى ذكر جامعة لفبرا Loughbrough التي درست بها الماجستير والدكتوراه كنت أشاهد عند مبنى اتحاد الطلبة بالجامعة جهازا ميكانيكيا كبيرا، كنت اعتقد أنه فقط (مجسم أو نموذج مقلد replica) لأحد المحركات البخارية التي صنعها المخترع البريطاني المشهور جيمس وات أبو الثورة الصناعية. وقبل عدة سنوات كنت أقرأ في كتاب عن تاريخ التقنية، وذكر فيه بشكل عرضي أن (نسخة أصلية) من أحد المحركات البخارية المستخدمة لضخ الماء موجود في جامعة لفبرا البريطانية. وبعد مزيد من البحث تبين لي أن هذا المحرك البخاري وإن لم يصنعه جيمس وات بنفسه؛ حيث أنه صنع بعد وفاته بحوالي ثلاثين سنة؛ إلا أنه وثيق الصلة بالمخترع الأسطوري جيمس وات. حيث أنه صنع بواسطة الشركة التي أنشأها جيمس وات لإنتاج المحركات البخارية. وحتى الآن تعرض صفحة جيمس وات الإلكترونية على موقع موسوعة الويكيبيديا صورة هذا المحرك البخاري الملتقطة من قلب جامعتي العزيزة وبإشارة صريحة لاسم جامعتي وارتباطها بهذا المخترع البارز. وطبعا لو استقبلت من أمري ما استدبرت لربما حرصت ان ألتقط لنفسي صورة سلفي مع هذا المحرك البخاري الذي يعتبر أحد أقدم القطع الأصلية في بريطانيا مهدِ الثورة الصناعية الكبرى.

    بلا شك يعتبر المحرك البخاري هو أكثر اختراعٍ يرمز لعصر الثورة الصناعية (العصر البخاري). أما أكثر الشخصيات العلمية المرتبطة بالاختراعات التقنية وبراءات الاختراع، فهو بلا منازع المخترع الأمريكي البارز توماس أديسون. وللأسف الشديد ضاعت مني فرصة سياحية علمية أخرى لمشاهدة جهاز أصلي تم اختراعه وتصنيعه بواسطة أديسون، ويعرض حاليا في متحف العلوم في لندن. المشكلة تكمن في أن أول زيارة لي لمدينة لندن كانت بصحبة زوجتي، وبعد أن قضينا الأيام الأولى في زيارة المتحف البريطاني (المتعلق بالآثار والتاريخ) ومتحف الشمع ومتحف التاريخي الطبيعي (المتعلق بعلم الأحياء والديناصورات) جاء أخيراً موعد زيارة متحف العلوم الضخم في لندن، والمكون من سبعة مستويات ويحتوي حوالي 300 ألف قطعة علمية. بعد ساعات طويلة قضيناها في التجوال والتنقل بين هذه المخترعات المتنوعة والعتيقة ليس من العدل بعد ذلك أن ألوم زوجتي عندما شعرت أخيرا بالممل، وأصبحت تحثني على المغادرة. ولهذا فاتني أن أنتبه لوجود جهاز الحاكي (الفونغراف الذي يعتبره البعض أبو جهاز الراديو). وحيث كان هذا الجهاز الأثري من اختراع وتصنيع عالِمٍ ذائع الصيت هو أديسون، فالحق أقول أنني ضيعت فرصة ثقافية مميزة.

    أما أسطورة العلم الحديث ألبرت أينشتاين، فقد فاتني للأسف الالتقاء ببعض المعالم العلمية المرتبطة به في ثلاثة مواقع على الأقل، حيث كنت أعلم مسبقا أن أينشتاين قد زار جامعة أكسفورد البريطانية عام 1931، وألقى فيها محاضرة شهيرة عن النظرية النسبية، وأن الجامعة لا تزال تحتفظ باللوح الخشبي (السبورة) التي شرح عليها النظرية. ولكن عند زيارتي لجامعة أكسفورد، لم أكن أعلم تماما موقع حفظ هذه السبورة، وبالرغم من أنني سألت عن مكانها في تلك الزيارة أحد الزملاء الأفاضل الذي كان مبتعثاً للدراسة في هذه الجامعة العريقة، إلا أننا كنا نجهل تماما مكان حفظها ولم أعرف إلا قبل سنتين فقط أنها موجودة في متحف تاريخ العلوم بجامعة أكسفورد، والذي هو مفتوح لأي زائر عادي من خارج الجامعة. ربما تكون أفضل مدينة لمشاهدة المعالم الأثرية المرتبطة بأينشتاين هي مدينة بيرن العاصمة الإدارية لسويسرا، حيث عاش فيها أينشتاين لعدة سنوات أهمها على الإطلاق سنة 1905م وهي (السنة العجيبة) التي توصل خلالها الشاب أينشتاين لعدد من أفكاره العلمية الخالدة. وعلى كل حال؛ توجد فرصة سياحية للتعرف عن قرب على أينشتاين في هذه المدينة، سواءً من خلال زيارة مكتب تسجيل براءات الاختراع الذي كان يعمل فيه، أو زيارة شقته الصغيرة التي تحولت إلى متحف مشهور أو على الأقل من خلال متحف تاريخ مدينة بيرن، حيث يوجد جناح خاص ومتكامل عن حياة أينشتاين وإنجازاته العلمية التي توصل إليها في هذه المدينة. لكن واقع الحال؛ أن نداء الطبيعة كان أكثر سحراً بالنسبة لي وللرفقة الكريمة من الزملاء الذين كنت معهم، فتواجدي في مدينة بيرن كان قصير جدا على هيئة مرور عابر. حيث كنت منتقلا من مدينة جنيف إلى مدينة إنترلاكن المنتجع السياحي المشهور في أحضان جبال الألب السويسرية.

  • اجتماعٌ فريد على مستوى القمة العلمية

    حتى الآن؛ كانت أفضل وأهم فرصة (للسياحية العلمية) بالنسبة لي لزيارة أحد أهم المعالم العلمية المتعلقة بأينشتاين وكوكبة فريدة من مشاهير العلماء، ليست في زيارة مختبر علمي أو منزل أحد مشاهير العلماء والمخترعين، ولكن بكل بساطة بزيارة أحد فنادق مدينة بروكسيل عاصمة بلجيكا. كما هو معلوم كل سائح يحتاج لإقامة في فندق ولا أفضل (للسائح العلمي) من الإقامة في فندق المتروبول في وسط مدينة بروكسيل، حيث عقد في عام 1927م (أعجب مؤتمر علمي في التاريخ) وهو مؤتمر سولفي الخامس، الذي شارك فيه دفعة واحدة 17 من العلماء الحائزين على جائزة نوبل في الفيزياء !!. هذا المؤتمر الفريد في تاريخ العلم من شبه المستحيل أن يتكرر مرة ثانية، ليس فقط لصعوبة تجميع مثل هذا العدد الكبير من الفائزين بجائزة نوبل، ولكن أيضا لأن المشاركين فيه كانوا من أشهر وأبرز (القمم العلمية) في العصر الحديث، من مثل اينشتاين ومدام كوري ونيلز بور وماكس بلانك وشرودنجر وهايزنبرج ودي برولي ووليم براغ وبول ديرك ولانجمير وتشارلز ويلسون وأرثر كمبتون وماكس بورن، وهذه الكوكبة من أسماء العلماء، يعرفها كل طلاب الجامعات الذين درسوا مقررات الفيزياء والكيمياء العامة. إذا علمنا بالإضافة لذلك أن هذا المؤتمر الاستثنائي في تاريخ العلوم شارك فيه 29 من أبرز وأذكى العقول العلمية، حتى وإن كان بعضهم لم يحصل على جائزة نوبل. ولهذا فبعض كتب تاريخ العلوم تشير إلى أنه لم يجتمع منذ فجر التاريخ وحتى الآن مثل هذا (الحشد العلمي الفائق) الذكاء في مكان وزمان واحد.

    ولا ضير أن نعلم أيضا؛ أن سبب حشد هذا العدد الكبير من عباقرة العلماء كان لمناقشة أبعاد وتعقيدات و(غرابة) نظرية ميكانيكا الكم التي ما زالت تحير العلماء حتى الآن، لدرجة أن أينشتاين صاحب (النظرية النسبية) المعقدة لم يكن مقتنعا تماما بنظرية (ميكانيكا) الكم، بالرغم من أنه كان هو بالذات من الأشخاص الذين رسخوا مفهوم الكم quantum وذلك في سنته العجيبة المشهورة 1905م التي سبق الإشارة لها.

    وبشكل مختصر تهدف نظرية ميكانيكا الكم لمحاولة تفسير الظواهر الفيزيائية على مستوى الذرات والجسيمات الأولية المكونة لها، وقد نجحت في ذلك بشكل مذهل ولكن مشكلتها (الفلسفية) الكبرى أنها ليست فقط معقدة وغريبة بشكل كبير، لدرجة أن عالم الفيزياء الأمريكي المعروف ريتشارد فاينمان قال بعد ظهورها بنصف قرن (أعتقد أنه بإمكاني القول بثقة .. لا أحد يفهم ميكانيكا الكم) علما بأنه هو نفسه قد حصل على جائزة نوبل لتطوير بعض جوانب هذه النظرة. مشكلة نظرية الكم أيضا، أنها عكس النظريات الفيزيائية الكلاسيكية. فهي قائمة على (الاحتمالات) ولا شيء في عالم الكم الذري (مؤكد) وثابت، ومن هنا ظهرت نظرية مبدأ عدم اليقين المشهورة لهايزنبرج. لذا ينقل عن أينشتاين قوله (ميكانيكا الكم جديرة بقدر كبير من التقدير .. لكن يوجد لديَّ حدس داخلي بأنها ليست الحقيقة). الجدير بالذكر، أن الاعتراض المشهور جدا لأينشتاين ضد نظرية ميكانيكا الكم عندما قال (إن الله لا يلعب بالنرد) دلالة على اعتراضه لجانب الاحتمالية والضبابية في سلوك الالكترون والجسيمات الأولية الذرية، هذه المقولة تمت في صالات فتدق المتروبول في بروكسيل، وأثناء نقاشات هذا المؤتمر العلمي الفريد. لهذا رد عالم الفيزياء الدنماركي البارز نيلز بور (صاحب نموذج بور Bohr المشهور لتركيب الذرة) على أينشتاين عندما قال له: توقف عن إملاء ما يجب على الله فعله.

    ولعل الأمر أيها القارئ العزيز بعد كل هذه الدراما الفلسفية والإثارة الجدلية والحوار العلمي، يشف ويشي بالأهمية التاريخية القصوى لهذا الفندق البلجيكي ومنطقية وضعه على قائمة المعالم السياحية العلمية الواجب زيارتها، خصوصا أن سلسلة مؤتمرات سولفي Solvay Conferences ما زالت تعقد حتى اليوم في هذا الفندق، ويحضرها كالعادة مشاهير العلماء العديد منهم من حملة جائزة نوبل.

    بقي أن أقول أنني في واقع الحال؛ كنت أعرف مسبقا الكثير عن هذا المؤتمر العلمي الفريد ولكنني كنت أعتقد أنه كان يعقد في إحدى الجامعات الأوروبية. ولم أعلم إلا قبل أشهر قليلة فقط أن مكان انعقاد هذا المؤتمر الأسطوري في ذلك الفندق (المحظوظ). لذا زيارتي الاخيرة قبل سنتين لمدينة بروكسل أعتبرها الآن ناقصة بشكل صارخ، لأنني لم أزر فيها موقع اجتماع القمة لعباقرة العلوم حتى وإن حظيت بدلا عن ذلك بزيارة موقع معركة واترلو التي هزم فيها نابليون.

    وختاماً من المحتمل أن الإقامة في فندق المتروبول الراقي السابق الذكر مكلفٌ جدا، لكن إن حصل وأن فعلت ذلك يوما ما قارئي العزيز، فأعلم أنك بذلك تحقق الحكمة المشهورة (السفر هو الشيء الوحيد الذي تُنفق عليه لكنك تزداد غنى).

 

البريد الإلكتروني للكاتب :   ahalgamdy@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
0 التعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
guest

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x