للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

ميكروبات صَنَعتْ لها مكاناً في التاريخ - الجدري

  • الكاتب : أ.د. عبدالرؤوف علي المناعمة

    الجامعة الإسلامية – غزة / فلسطين

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    02:22 م

  • تاريخ النشر

    12 يونيو 2017

عرف التاريخ أحداثاً مِفصلية غيرتْ مجراه، كما شهد أيضاً معارك طاحنة، وملاحم بطولية، وأفكاراً إبداعية، واختراعاتٍ مذهلة، وأُناساً عظاماً؛ بدَّلوا مسار العالَم، لكننا اليوم سنتحدث عن ميكروبات طُبعتْ في ذاكرة التاريخ؛ وصنعتْ لنفسِها مكاناً في صفحاته. عارضين تاريخاً موجزاً عنها، وسنعرض أهم ما يميزها من خصائص أهَّلتها لتتبوأ مكانتَها، وكيف تعامل الطب أو العلم معها؟

الجُدَري (Smallpox)

يعد الجدري (Smallpox) من بين أكثر الأمراض فتكا بالبشرية على الإطلاق، فقد غيّر هذا المرض مسار التاريخ البشري بشكل كبير، وأسهم في تدهور وتدمير الحضارات. اشتُقَّ اسمه من الكلمة اليونانية التي تعني "تبقع" مشيراً إلى النُّتوءات البثرية التي تبرز على وجه وجسم الشخص المصاب. وقد تسبب هذا المرض الخبيث في قتل حوالي 30% من الأشخاص الذين أصيبوا به عبر التاريخ، أما الناجون فقد رافقهم العمى، وندوب عميقة جداً، وعلامات على الجلد، إضافة إلى تشوهات أخرى، مثل فقدان الشفاه والأنف وأنسجة الأذن.

إن تاريخ الجدري لافت للنظر؛ ليس فقط بسبب الدمار المذهل الذي ألحقه بالحضارات البشرية، ولكن أيضا للإنجازات المذهلة للطب الحديث في مكافحتِه، والتي استطاعت القضاء على هذا الوباء من خلال الجهود المتضافرة للتطعيم العالمي. يُعتقد أن الجُدريَّ قد نشأ في الهند أو مصر قبل 3000 عام على الأقل، وذلك بعد العثور على  مومياء مصرية مصابة بهذا الطاعون؛ وهي مومياء الفرعون رمسيس الخامس، الذي توفي عام 1157 قبل الميلاد، فقد أظهرت بقاياه المحنطة بعض النتوءات البثرية على جلده.وانتشر المرض في وقت لاحق على طول طرق التجارة في آسيا وأفريقيا وأوروبا، فقد تم توثيق أوصاف لا لُبس فيها لهذا المرض في الصين في القرن الرابع، وفي الهند ومنطقة البحر الأبيض المتوسط في القرن السابع الميلادي، فضلا عن جنوب غرب آسيا في القرن العاشر. وتشير التقديرات إلى أن الجدري أُدخل إلى أوروبا بين القرنين الخامس والسابع مع انتشار الأوبئة خلال العصور الوسطى. وأدخل المستعمرون الأوروبيون الجدري إلى الأمريكيتين (وأيضا أفريقيا وأستراليا) بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر مع معدلات إصابة؛ بلغت 90٪. ويعتقد عموما أن الجدري كان السبب وراء سقوط إمبراطوريات الأزتيك والإنكا.

وبحلول نهاية القرن التاسع عشر؛ أصبح الشكل الأكثر اعتدالاً وأقل فتكاً للجذري والمعروف أيضا باسم الجدري الصغير أو الجدري غير الخطير (variola minor) واضحاً في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تم التعرف على هذا الشكل من الفيروس في كل من البرازيل وإثيوبيا والصومال خلال السبعينات. وخلال القرن العشرين، تشير التقديرات إلى أنه كان هناك 300 مليون إلى 500 مليون حالة وفاة بسبب الجدري في جميع أنحاء العالم، مقارنة ب 100 مليون بسبب مرض السل.

بدأت المعركة ضد الجدري من خلال اتباع طريقةٍ تُعرف بالتجذير (Variolation)، والتي تتمثل في فرك المواد المعدية من المرضى المصابين بالجدري في خدوش سطحية يتم إحداثها في جلد الشخص المراد تحصينه.  وقد قامت كاتبة الرسائل والشاعرة الإنجليزية "ماري وورتلي مونتاغيو" بجلب هذه الطريقة من تركيا إلى إنجلترا عام 1721م. وتم اعتمادها في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، وبحلول نهاية القرن كانت قد أصبحت طريقة التجذير مقبولة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم؛ باعتبارها وسيلة فعالة لمنع الجدري من الانتشار وتطويقِه.

وفي عام 1796م اتخذ مسار المعركة ضد المرض طريقاً مختلفاً؛ عندما قام الطبيب الإنجليزي "إدوارد جينر" باستخدام فيروس جدري البقر (cowpox) من أجل التحصين ضد الجدري. وقد تسبب هذا الفيروس في عدوى خفيفة في البشر، إلا أنه حفّز استجابة مناعية، ووفّرت حماية خلطية (cross-protection) ضد الجدري. وقد مهَّدَ اكتشاف "جينر" الطريق لبرامج التحصين اللاحقة، نظرا لعدم وجود علاج فعال للجذري.  وقد انتشرتْ هذه التقنية الجديدة سريعا في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. وبعد فترة تم استبدال فيروس جدري البقر، بفيروس مشابه له يعرف باسم "وقس" (vaccinia). وأدى النجاح في استخدام لقاح الجدري إلى انخفاض تدريجي في حالاته. وكانت آخر حالة للجدري في الولايات المتحدة في عام 1949. وبعد حملات التطعيم المكثفة في الستينيات والسبعينات، حدثت آخر حالة للجدري في العالم في عام 1977م. وكانت في الصومال.  أعلنتْ منظمة الصحة العالمية في عام 1980م؛ أن العالَم أصبح خاليا تماما من الجدري. وبهذا يكون الجدري أولَّ مرضٍ يَنتصرُ عليه البشر.

أعراض الإصابة بالجدري

عادة ما تظهر الأعراض العامة للجدري بعد 12 – 14 يوم من الإصابة، وتكون أعراضا شبيهة بأعراض الانفلونزا وتشمل الحمى، عدم الراحة بشكل عام، الصداع، التعب الشديد، آلام الظهر الشديدة، والتقيؤ. وبعد بضعة أيام، تظهر البقع الحمراء المسطحة أولا على الوجه واليدين والساعدين، وبعد ذلك على الجذع. وفي غضون يوم أو يومين، العديد من هذه البقع تتحول إلى بثور صغيرة مليئة بسوائل شفافة، تتحول فيما بعد إلى قيح. تبدأ قشور الجروح (Scabs) في التكون بعد ثمانية إلى تسعة أيام، ثم تسقط في نهاية المطاف تاركة ورائها ندوب عميقة.

العامِل المسبب لمرض الجدري

يتسبب فيروس الجدري؛ والذي يسمى أيضا بالـ"فاريولا" (Variola) في حدوث مرض الجدري، وهو فيروس كبير نسبيا (من أكبر الفيروسات حجما) يحتوي على الحمض النووي (DNA)، يمكن العثور عليه بأعداد كبيرة في العديد من أجهزة الأشخاص المصابين (الجلد والكلى والطحال والكبد، وغيرها من الأجهزة)، وعادة ما يكون تسمم الدم هو السبب في حدوث الوفاة. هناك سلالتان مختلفتان للجدري، وهما الجدري الرئيسي أو الخطير (Variola Major)، والجدري الصغير أو غير الخطير (Variola Minor). وكما تشير الأسماء، فإن الجدري الرئيسي هو الشكل الفتاك والأكثر خطورة، بينما يمثل الجدري الصغير الصورة الأقل خطورة.

كيف ينتقل فيروس الجدري

تحدث عدوى فيروس الجدري فقط في البشر، وأحد أهم الأسباب التي أكسبت الجدري خطورته؛ هو كونُه مرض ينتقل عبر الهواء (Airborne disease)، وعادة ما يميل هذا النوع من الأمراض للانتشار بسرعة كبيرة. السعال، العطس، أو الاتصال المباشر مع أي سوائل جسدية يمكن أن تنشر فيروس الجدري. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مشاركة الملابس الملوثة أو الفراش يمكن أن يساهم في نقل العدوى. وعلى الرغم من طويِ مرض الجدري أرشيف التاريخ، إلا أن هاجس هذا المرض قد يعود ليطاردنا من جديد على شكل أسلحة بيولوجية (Biological weapons)، فاطلاق هذا الفيروس سينشر المرض بصورة سريعة جداً، خاصة وأن برامج التطعيم الحالية لا تتضمن لقاحاً ضد هذا الفيروس.

علاج الجدري

لا يُوجد علاج للجدري. وفي حالة الإصابة، كان يركز العلاج على تخفيف الأعراض ومنع حدوث الجفاف للمريض.  وقد توصف بعض المضادات الحيوية في حال طور الشخص المريض عدوى بكتيرية ثانوية في الرئتين أو على الجلد.

الوقاية

يمكن الوقاية من الجدري من خلال اللقاح، فاذا تم الحصول على اللقاح قبل الاتصال بالفيروس، يكون بمقدور اللقاح حماية الشخص ضد المرض. وفي حالة تفشي المرض، وفي محاولة للسيطرة على انتشار الفيروس، يجب عزل الأشخاص المصابين. ويجب على الأشخاص الذين كان لديهم اتصال مع شخص طور العدوى، أن يحصلوا على لقاح الجدري، الذي يمكن أن يمنع أو يقلل من خطورة المرض إذا تم الحصول عليه في غضون أربعة أيام من التعرض للفيروس. أما إذا طور الشخص المرض فلن يكون باستطاعة اللقاح توفير أي حماية. تجدر الإشارة إلى أن اللقاح ضد الجدري غير متوفر في الوقت الراهن لعامة الناس، وذلك بسبب النجاح في القضاء التام على المرض ولانعدام وجود الفيروس. ومع ذلك، هناك مخزون كاف لتطعيم الأشخاص في حال حدث تفشي للمرض من جديد.

 

بريد الكاتب الالكتروني: elmanama_144@yahoo.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك