للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

اليوم العالمي للغة العربية 2021

اللغة العربية : مقومات النهضة الجديدة

  • محمد وحيدي

    جامعة مولاي إسماعيل - المغرب

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    09:53 ص

  • تاريخ النشر

    25 ديسمبر 2021

يمثل الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية مناسبة متجددة  للتفكير في معيقات تطويرها، وسبل النهوض بها، وأدوات الارتقاء بها.  وقد تحصَّل الإجماع بين الخلَّص من أبنائها، والمحبين من المنتسبين إليها لسانا ووجدانا، على أنها تملك من المقومات الذاتية ما يؤهلها لتكون في مصاف اللغات العالمية القوية؛ لكن من جهة أخرى ما يزال هناك شعور أن هناك معيقات تحول دون بلوغ هذا الهدف الممكن والضروري ونعتقد مثل كثير من الباحثين والمهتمين بشؤون اللغة العربية، أن نهضة العربية ممكنة إذا تهيأت الإرادة السياسية لتطوير اللغة العربية وتمكينها في محيطها وترابها، وجعلها سائدة.

وبالرغم من الجهود المبذولة على مختلف مستويات القرار السياسي العربي، فإن التردد والنكوص يؤخران تحقيق كثير من المنجزات للغة العربية. والمطلب الآخر لتحقيق نهوض العربية المنشود هو تهيئة أدوات اللغة وتجديدها: متنا وتخطيطا واكتسابا. وهذا يقتضي تجديد النظر في نحوها ومعجمها ومتنها؛ فنحن في حاجة إلى جيل جديد من الأنحاء والمعاجم والكتب المدرسية، يُثمَّن فيها التراكم الذي تحصل في تراثنا اللغوي الثري، وتُستثمر فيها منجزات العلوم اللسانية والمعرفية المعاصرة، ومنجزات اللسانيات العربية المقارنة التي أسهم فيها لسانيون من مختلف الآفاق والمرجعيات.

المقومات الذاتية للنهضة اللغوية

تملك اللغة العربية المقومات  الذاتية التي تؤهلها لكي تكون لغة عالمية. يبلغ عدد المتكلمين بها اليوم ما يزيد على 400 مليون، ويزداد الإقبال عليها يوما بعد آخر؛ وهي إلى ذلك لغة تنمو في الإنترنيت بصورة تتفوق على كثير من اللغات العالمية اليوم. علاوة على ذلك، تشكل اللغة العربية اللغة الأولى لمتكلمين ينتمون إلى منطقة صاعدة اقتصادية؛ فكثير من الدول العربية في الخليج العربي وشمال إفريقيا بدأت تدخل ضمن الاقتصادات النامية والصاعدة. وهذا يجعلها منظقة جذب اقتصادي باعتبار الفوائد ااستثمارية الاقتصادية التي تتيحها. ولعل هذا ما يفسر الإقبال المتزايد علي تعلم اللغة العربية؛ يشجعهم على ذلك غنى اللغة وجمالها وتاريخها.  فاللغة العربية مرشحة ذاتيا لكي تكون لغة مستقبلية، تصل حاضرها ومستقبلها بماضيها المجيد، حين كانت لغة الفنون والعلوم، وكانت الجامعات العربية في بغداد وفاس وقرطبة مهوى أفئدة طالبي العلم والتميز.

لكن هذه المقومات الحضارية والاقتصادية والغنى الداخلي تحتاج إلى استثمار وتحفيز، وهذا لا يتأتى إلا بتجاوز عوامل الإحباط والتثبيط والركون، وأن ينشط الجميع للمهمة العظيمة. ويتطلب ذلك في رأينا إرادة سياسية صادقة لتمكين العربية، وتعبئة كل الطاقات لتجديد أدواتها ومواردها اللغوية لكي تصبح لغة الحياة والعلوم والصناعات. وهذا ما سنبسط فيه القول إيجازا في الفقرتين القادمتين.

لا نهضة بدون سيادة وعدالة لغوية

تؤكد أدبيات السياسة اللغوية (انظر الفاسي 2013، 2019 والمراجع هناك للتفاصيل)  أن الشأن اللغوي شأن سياسي بامتياز.  لذلك فإن الغاية الكبرى لأية سياسة لغوية هي تحقيق العدالة اللغوية التي تمثل إحدى صور العدالة التي تتطلع إليها كل السياسات الحكومية في جميع المجالات، الاقتصادية والاجتماعية. فالسياسة اللغوية بهذا المعنى لا ينبغي أن تختلف عن السياسة الصحية أو التعليمية أو غير ذلك. ويظل تحقيق مطلب العدالة اللغوية رهينا بتمكين لغة الشعب داخل ترابها. فالسيادة الترابية للغة شرط ضروري لتبييء اللغة في محيطها الاقتصادي والاجتماعي، وجعلها ضمن صلب القرار السياسي.  لكن اللغة العربية اليوم تعيش وضعا سمته الأساس الحيف والضيم والجحود. والغريب أن كل الدساتير العربية تنص في فصولها الأولى على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، وتتعهد بحمايتها وتطويرها.  لكن واقع السياسة اللغوية في التعليم والإعلام يناقض هذا التوجه الرسمي؛ إذ إن هناك حربا ضروسا تخوضها على اللغة العربية جهات عديدة.

ويُتوَسَّل إلى ذلك بادعاءات مغرضة من قبيل عدِّ العربية لغة ميتة، وغير مهيأة للتواصل اليومي الواقعي والحي، وكونها لغة غير صالحة للعلوم والتكنلوجيا. والحقيقة أن هذه الادعاءات والأغاليط لا تصمد أمام التحليل والتمحيص. والغريب أن كثيرا من الباحثين الغربيين المنصفين أثبتوا في مناسبات عديدة أن اللغة العربية تتطور وفي مقدورها أن تواكب تطور العلوم بحثا وتدريسا. لكن السياسة اللغوية الرسمية – المدعومة بنخبة مرتبطة بالمصالح الغربية الإمبريالية – تسير في الاتجاه المعاكس لما تعاقد عليه الشعب (الدستور المغربي على سبيل المثال). من أجل ذلك، فإننا نعتقد أنه لا نهضة للعربية بدون تمكينها في الفضاءات العامة (التعليم والإعلام والاقتصاد)؛ ولن يتأتى ذلك إلا إذا انخرطنا في سياسة لغوية عادلة ومنصفة، ترفع مظاهر الميز التي تعانيها اللغة العربية. علاوة علا هذا، فإن السياسة اللغوية العادلة ليست إلا مظهرا لسياسة عامة تروم تحقيق العدالة الاجتماعية القائمة على أساس من البناء الديموقراطي.           

اللغة العربية: التنوع المُغني للوحدة لا المُغني عنها

من المظاهر التي تستخدم تعِلَّة لإقصاء العربية الادعاء أن ما يسمى العربية الفصيحة ليست لغة الحياة اليومية، لأنها ليست لغة المتكلم الفطري. ويترتب على هذا الزعم ضرورة إقصاء "الفصيحة" لصالح العاميات أو الدوارج واللهجات المحلية. ويعمد مدعو هذه الفكرة إلى تضخيم الفوارق بين الفصحى أو اللغة المعيار واللهجات المحلية. والحقيقة المقررة في أدبيات اللسانيات الاجتماعية أن التنوع اللغوي حقيقة تسم جميع اللغات المستخدمة. فاللغات العالمية كلها تعرف نوعا من الازدواج اللغوي (diglossia)؛ حيث تتجاور نوعات مختلفة مع النوعة الممعيرة. فالعربية ليست حالة شاذة في هذا الباب. وعندما نتأمل هذا التنوع، سوف نجد أن كل هذه النوعات تمثل متصلا للغة العربية تتكامل فيه، وتتقاسم فيه الخصائص والسمات التركيبية والصرفية التي تشكل قوام اللغة العربية عموما.  فالتنوع حقيقة لغوية ليست خاصة بالعربية، وهو تنوع مغنٍ للعربية يجعل تلك النوعات تنهض بوظائف مختلفة في التواصل والبحث والتدريس ونحو ذلك. لكن المغرضين جعلوا هذا التنوع ذريعة للدعوة المبيَّتة إلى إقصاء العربية المعيار(الفصيحة) وإعادة إحياء مزاعم التلهيج. والحقيقة الثابتة بالتاريخ والواقع أن اللغة العربية المعيارية شكلت دائما لغة للتبادل (لغة مشتركة حرة lingua franca) داخل الفضاء العربي، وأيضا لغة للتواصل الثقافي والحضاري بين الشعوب الإسلامية. فإقصاء اللغة العربية هو تفتيت مهنجي لهذا النسيج الحضاري والقومي الذي تشكل عبر تاريخ طويل.

تجديد الأدوات والمحتوى

يقتضي تمكين العربية تجديد أدواتها ومحتوياتها حتى تواكب العصر؛ فتطوير العربية حتمي. وينبغي التذكير أن سيرورة تجديد العربية ومحتوياتها قد حققت تراكما معتبرا منذ عصر النهضة؛ فقد أسهم علماء ومفكرون وباحثون منذ ذلك الحين إلى اليوم في تطوير العربية. وقد أثمر ذلك معاجم مختصة تواكب مستجدات البحث العلمي في جميع الحقول العلمية. لكننا نحتاج اليوم إلى تكثيف الجهود لتطوير أدوات العربية، معجمها ونحوها ومصطلحاتها وحوسبتها. وفي هذا الخصوص، يجب استثمار نتائج البحث اللساني المعاصر في مختلف تخصصاته من أجل تجديد هذا المحتوى. وقد تحققت خطوات جبارة في هذا المجال لا بد من تثمينها.

خاتمة

لا شك أن وضع العربية اليوم يتطور ويتحسن يوما بعد؛ إذ تكسب جولات جديدة في طريق النهوض والتمكين. فالعربية اليوم أصبحت علامة تجارية في الإعلام والاتصال، والمحتوى الرقمي العربي على الإنترتيت يتطور باطراد مستمر. لكن ذلك لن يبلغ غايته إلا إذا تم إقرار سياسة لغوية واضحة وصريحة بلا لبس أو تردد تجعل العدالة اللغوية مطلبها الأساس. ومن الأدوات الضرورية لبلوغ ذلك إقامة المؤسسات والهيئات التي تنهض بشؤون اللغة العربية في أقطارها أو بصورة بينية. وبعبارة واحدة، لا سبيل إلا نهضة لغوية للعربية وبالعربية إلا إذا غادرنا التوصيات الشكلية الرسمية والشعبية إلى التطبيق الفعلي الحقيقي والتراكمي.

 

المراجع

  • الفاسي الفهري، عبد القادر. 2013. السياسة اللغوية في البلاد العربية. عمان: دار كنوز المعرفة.
  •  الفاسي الفهري، عبد القادر. 2019. العدالة اللغوية والنظامة والتخطيط. عمان: دار كنوز المعرفة.

 

البريد الإلكتروني: medwahid66@gmail.com​

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلفين وليست، بالضرورة، آراء منظمة المجتمع العلمي العربي

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

     

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك