للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

المدارس في زمن الغابرين

  • د. أحمد بن حامد الغامدي

    جامعة الملك سعود – الرياض- المملكة العربية السعودية

  • ما تقييمك؟

    • ( 4.5 / 5 )

  • الوقت

    11:20 ص

  • تاريخ النشر

    04 سبتمبر 2021

الأديب والمفكر الإيرلندي الساخر برنارد شو كتب يوماً ما بخبث قائلا: "لا يوجد شيء بشع على وجه الأرض مخصص للأشخاص الأبرياء مثل المدرسة". وبحكم أن الأطفال هم أكثر البشر براءة فنصيبهم وافر من هذه الملاحظة الساخرة لبرنارد شو.

 منذ عدة سنوات كتبت مقالة ربما كانت صادمة للبعض حملت عنوان (العودة للمدارس .. لحظة كئيبة في طفولة عباقرة العلماء) ومع ذلك يبدو أن توسيع نطاق تلك المقالة يحتاج ألا يقف عند توصيف كآبة الدراسة للعباقرة فقط، ولكن لغالبية الطلاب، وكذلك أن هذه الكآبة والانقباض من الدراسة أمر ضارب بجذوره في عمق التاريخ.

يقال إن أولئك الذين لا يعرفون التاريخ محكوم عليهم بتكراره، ولهذا لو عرفنا تاريخ التعليم القديم لوجدنا أننا ما زلنا نكرر الأخطاء المدرسية ذاتها فيما يتعلق بتعليم الأطفال. فمنذ الأزل ما ينغص عليهم، بالإضافة لكارثة الاستيقاظ المبكر، هو الحد من حركتهم في الفصل وكثرة الضوابط والتحكم المفرط بهم. وموقف الطلاب من هذا الأمر متكرر عبر التاريخ، وهذا ما يتضح مثلاً من الاطلاع على مذكرات طالب سومري نقشها على لوح الطين المحروق قبل أكثر من أربعة آلاف سنة.

في مطلع القرن العشرين وجد علماء آثار الحضارة السومرية بأرض العراق حوالي 21 قطعة من الفخار المكتوب عليها باللغة المسمارية وهي تحكي يوميات طالب مدرسة قديم يذكر فيها الأشياء التي مرت عليه أثناء اليوم الدراسي والتي كان منها تعرضه للضرب بالعصا من قبل معلمه، ليس فقط لأنه لم يحفظ دروسه ولم يتعلم أن يكتب بخط سليم، ولكن أيضا بسبب سلوكه غير المنضبط.

يقول ذلك الطالب في مذكراته عن مدرسته السومرية في زمن الغابرين:

بعد أن ضربني المعلم بالعصا لأنه وجد نقص في كتابتي على اللوح الطيني جاء عريف الفصل وقال لي: لماذا فتحت فمك دون إذني..؟ ثم ضربني بالعصا. 

ثم قال لي: عندما لم أكن هنا لماذا نهضت دون إذني ..؟ ثم ضربني بالعصا.

وقال لي حارس المدرسة: لماذا تغادر دون إذني ..؟ ثم ضربني بالعصا.

مدرس اللغة السومرية قال لي: لماذا تتحدث باللغة الأكادية ..؟ ثم ضربني بالعصا.

 

من هذا النص الأثري المنقوش باللغة المسمارية على ألواح الطين الفخارية، نعلم كآبة وسوء اليوم الدراسي في زمن الحضارة السومرية القديمة، والأمر لم يكن يختلف كثيرا زمن الحضارة الفرعونية. فعلى نفس النسق وجد علماء الآثار بعض أوراق مخطوطات البردي القديمة التي تكشف حال الطلاب في زمن الغابرين الفرعوني. في إحدى مخطوطات البردي الفرعونية المحفوظة الآن في المتحف البريطاني نجد أن أحد المعلمين كتب العبارة التحذيرية التالية، "احذر.. احذر من الكسل أيها الطالب لئلا تضرب بالعصا ضرباً أليماً".

وفي مخطوط آخر من ورق البردي مكتوب فيه ما هو أشبه بنصيحة من معلم لمعلم آخر: "أذن الصغير على ظهره، إنه يستمع فقط للرجل الذي يضربه". ودونت إحدى البرديات نصيحة أخرى من معلم إلى تلميذه هذه المرة حيث يقول له: "لقد بلغني أنك أهملت وأنك تتسكع في الطريق، إنك مثل المجداف المحطم، انظر إلي عندما كنت صبياً مثلك مكثت في المعبد ثلاثة أشهر لا أخرج منه".

من الناحية التاريخية يستمر مسلسل الهلع من المدرسة والنفور من المعلم مع الحضارة الرومانية هذه المرة، ففي مطلع القرن الثاني الميلادي بعث أحد الطلاب رسالة إلى والده يتشكى فيها من معلميه وحياته الدراسية. في مكتبة جامعة أكسفورد يتم حاليا حفظ تلك الرسالة الشخصية المكتوبة باللغة الإغريقية والمرسلة من طالب مجهول الاسم إلى والده المدعو ثيون. ويسرد الطالب في تلك الرسالة لوالده خيبة أمله من جودة المعلمين الذين يقومون بتدريسه وأنهم سيئين وغير مُلهمين، بل وصفهم بالهمل وسقط المتاع الذين يقودون إلى طريق الخراب. وبالرغم من كثرة الرسوم والأموال التي يدفعها الطالب للمعلمين إلا أنه يخبر والده أنه لسوء التعليم يضطر لأن يعتمد على نفسه والتعليم الذاتي. والغريب في الأمر أن الطالب يعرب لوالده أنه بسبب هذا الإحباط في حياته الدراسية بدأ يهمل مظهره العام وهندام ملابسه بالرغم من أنه من أسره ثرية.

وفي ضوء ما سبق وعندما نصل إلى الحضارة الإسلامية وبأخذ الاعتبار الصورة النمطية السلبية عن حياة الطلاب في (الكتاتيب)، لا غرابة أن نجد بعض الأخبار المحرجة عن نفور بعض الطلاب قديما، كما في الحديث، من المنظومة التعليمة. هذا النفور قد يتسبب كما هو معلوم في الهروب المؤقت من المدرسة أو حصول ظاهرة (التسرب المدرسي) الدائم. في كتاب ضحى الإسلام للمفكر والمؤرخ الكبير أحمد أمين ورد ذكر قصة المغني العباسي إبراهيم الموصلي التي يرويها عنه ابنه إسحاق وكيف أنه عندما كان طفلاً أُدخل الكُتّاب (فكان لا يتعلم شيئاً، ولا يزال يُضرب ويُحبس ولا ينجح ذلك فيه، فهرب إلى الموصل وهناك تعلم الغناء).

ونظرا لشيوع سوء معاملة المدرس للطلاب في الكُتّاب انتقل مشهد الإجحاف في (التأديب) إلى قصائد (الأدب). فهذا الشاعر الحسن بن هانئ (أبو نواس) يتحدث عن معلم صبيان يدعى حفص عنيف في تعامله مع طلاب الكتاتيب وكيف أنه أمر بضرب أحد الطلاب بسوط من جلد وذلك بعد أن تم خلع ملابسه عنه حتى يعاني أشد العقاب والهوان:

قال حفصٌ اجلدوه                      إنه عندي بليدُ

لم يزل مُذ كان في الدرس            عن الدرس يحيدُ

كُشفت عنه خزوزٌ                       وعن الخزّ بُرودُ

ثم هالوه بسيرٍ                            ليّنٍ ما فيه عودُ

عندها صاح حبيبي                       يا مُعلم لا أعودُ

 

وأي تأديب وتهذيب هذا الذي يتم فيه ضرب وجلد الأطفال الصغار بشدة مهلكة؟ ولهذا أعترض الفقيه المغربي ابن الحاج العبدري عن استخدام أدوات للضرب تفوق ما يستخدم في الشرع الحنيف في تنفيذ الحدود. ولهذا استنكر ابن الحاج على (المؤدبين) ومعلمي الكتاتيب في عصره استخدام عصا اللوز اليابس والجريد المشرّح والأسواط النوبية والفلقة وما أشبه ذلك مما أحدثوه وهو كثير حسب وصفه.

وفي الختام أعلم (وأعتذر في نفس الوقت) بأن تلك الإضاءات والفلاشات الكاشفة لتاريخ المدارس في العصور الغابرة هي الاستثناء وليس الأصل في مسيرة التعليم الخالدة، ولهذا لا مساس على الإطلاق بدور المعلم ورسالة المدرسة في القديم والحديث. ومع ذلك ومع بداية الدوام الدراسي لهذه السنة في يوم غد الأحد وبعد انقطاع عن الحضور المباشر للمدارس لفترة قاربت السنتين، ينبغي على أهل التعليم الرفق بالتلاميذ وتفهم ما قد يظهر منهم من الضيق بالدراسة أو عدم التركيز والميل للممل.

فكما حصل في زمن الغابرين القديم وزمن الطيبين القريب وزمن المرفهين المعاصر تتشابه طبيعة النفس البشرية في نظرتها للمدرس. ولو راجعنا ما سبقت الإشارة إليه لتعجبنا أنه ومنذ أكثر من أربعة آلاف سنة وطلاب المدارس يتأففون من الدراسة وبعضهم يشتكي إلى أسرته سوء مستوى وعنف معلميه بينما الأدباء والشعراء يتخذون (المشهد المدرسي) مادة دسمة لإنتاج أدبي فريد.

 

تواصل مع الكاتب: ahalgamdy@gmail.com

 


 الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلفين وليست، بالضرورة، آراء منظمة المجتمع العلمي العربي.


 

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل
أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

     

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

1 التعليقات

  • شنة قويدر08 سبتمبر, 202112:07 ص

    أثر المدرسة و المدرس في المجتمع العربي

    أثر المدرسة و المدرس في المجتمع العربي لو أتيح لأحد منا أن يجلس و يعلم نفسه ، لأستراح و أراح ، و لما برزت المشكلة التي أصبحت اليوم بحاجة الى حل ، و هي المعلم و التلميذ ، أيهما التابع و أيهما المتبوع...؟ ولكن نظرا الى ثقتنا المطلقة بالله و بحكمته، فقد أيقنا أن الخير كله فيما قضى الله و قدر أيقنا أنه لابد لسعادة الجنس البشري من التآلف ، ولا تآلف من دون تعاون ولا يتحقق التعاون الا عند الإحتياج ، و من أبرز مظاهر الإحتياج ما لا مناص منه ، هو حاجة التلميذ الى المعلم أو بالأحرى الجاهل الى العالم. إذن فلابد من ركنين أساسيين ، معلم و متعلم ، و لابد أن يؤدي كلهما ضريبة النظام الرباني ، و أن يخلص الأول منهما في عملية التعليم و لإرشاد ، و أن يوليه الثاني مقابل ذلك كامل ثقته ، و لا فرق بين هذا و ذاك ، بل هي سنة ماضية في علوم الدنيا و الآخرة مهما تعددت أو تنوعت. في الحقيقة لا أجد جواباً مقنعاً لتسائلي غير التغيير السريع الجذري وترك سياسة الكلام وإتقان فن التطبيق وإعطاء المنظومة التعليمية الجادة في مجال ألإصلاح ، حيث بدأت إحدى إمهات الدول العربية مشكورة بهذه الخطوة ولعل الجميع يحذو حذوها فيه الذين يعملون بروح الفريق الواحد ، و لو أرسلنا العنان لهذا القلم ، ليكتب عن هذا الموضوع الموقر ، لخشينا ليتسع ذلك لمجلدات ضخام و أسفار عظام ، و الآية على ذلك أن هذه السلسلة من مقالاتكم سيدي الفاضل الدكتور أحمد بن حامد الغامدي و التي إرتأيت أن أسميها كنوز المعرفة. و لعل منظمة المجتمع العلمي العربي، برعاية الدكتورة موزة بنت محمد الربان رئيسة المنظمة تعمل من أجل دعمه و تعزيزه من المساهمة في مشروع عربي نهضوي حقيقي و شامل يعنى بالمواضيع الحساسة مدافعة عن القيم و المثل ، و التي أمست مكونا عظيما من ثوابتها ، و ركنا ركينا من هويتها و إذ كنا نحن واقعون ، في هذه المقالة تحت إستفزاز العاطفة الجائشة ، التي لم نستطيع كبح جماحها ، ولا قمع غلوائها ، فلا أقل من زملائنا المشاركين في هذه المنظمة بأقلامهم أحسن االه إليهم ، سيعوضزن نقص مقالتنا هذه من خلال كتاباتهم النيرة و الرصينة التي سيمدون بها حتما ، في هذه المنظمة ، فهم ، إذن ، و ذاك و من هنا رسّخت المنظمة ، منذ تأسيسها، فكرة الاستثمار في التعليم، ليكون بوابة العبور إلى مستقبل مستدام، وضمانة حقيقية لإحداث نهضة تنموية شاملة، والرهان الأمثل لبناء اقتصاد يعتمد على المعرفة ولأنها كانت ترى أن رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون، وأن تقدم الشعوب والأمم إنما يُقاس بمستوى التعليم وانتشاره، وضعت العملية التعليمية على رأس اهتماماتها منذ اليوم الأول لتأسيسها، وذلك من منطلق إيمانها بأن التعليم هو القاعدة التي تحقق الازدهار والتنمية والإبداع في مختلف المجالات، لذلك حرصت على أن يضيء العلم بنوره جميع أركان الوطن العربي، المتمسكة بهويتها وإرثها الحضاري والمنفتحة على ثقافات العالم. ومد الحقل التعليمي بكل ما يحتاج إليه من أجل أداء رسالته، والتواصل المستمر مع المؤسسات التعليمية، والمعلمين، والطلبة يُعتبرُ التدريس نشاطاً مهنيّاً يؤدّيه المُدرّس من خلال عمليّاتٍ أساسيةٍ ورئيسيةٍ، والهدف منه مساعدة الطلبة على حُسن التعلّم والتعليم، فهو من الأعمالِ التي يُمكن الحكم عليها، وعلى جودتها، وإتقانها من خلال التحليل والملاحظة، وبالتالي بعد التقييم يُمكن تَحسين الأداءِ وتطويره ، و من هنا تبرز مهارة التدريس و هو الأداء الذي يقوم به المُعلّم، القائم على السهولة والدقّة والفهم لما يكتسبه الإنسان، ويتعلّمه من الناحية الحركية والعقلية، مع توفير أكبر قدرٍ من الجهد والتكاليف، ويُمكن تعريف مهارة التدريس أيضاً بأنّها فِعل المعلّم ومقدرته على إحداث التعلّم المطلوب، وهذه المهارة يمكن تنميتها بعدةِ طرق، كالإعداد التربوي الذي يسبق العملية التدريسية، والاطّلاع على الخبرات، والتجارب السابقة في هذا الموضوع. تختلف مهارة التدريس باختلاف طبيعة المادّة المراد تدريسها للطلبة، والخصائص التي تتميز بها تلك المادة، والأهداف التي وُضعت من أجل تعليمها ، و تُعدّ معرفة مهارات التدريس وتطبيقها من قِبل المعلّم عاملاً ضرورياً لبناء الصرح التعليمي السليم، الذي يربط بين النظرية والتطبيق، وهذه المهارات ثلاثة، وهي: التخطيط، والتنفيذ، والتقويم، بعد ذلك تأتي مهارةٍ ي التخطيط يجب أن يُتقنها المعلم الذي يسعى للتميّز في عمليتهِ التدريسية، وهي التخطيط للعملية التدريسية، وهذه العملية يقوم بها المعلّم وحده، فهو يُفكر في الأمور، والموضوعات التي سيُدرسّها للطلاب، وفي الكيفية التي يتم التدريس فيها. تتطلّب عملية التخطيط من المعلمِ القدرة العالية، التي يستطيع من خلالها معرفة طبيعة الفئة المستهدفة (المُتعلمين)، ومعرفة أهمّ احتياجاتهم، ليحرص على تواجدها أثناء التدريس، ويُحدّد أيضاً ما يتميّز به هؤلاء الطلاب من قدرات، وإمكانيات، لمحاولة تكريسها، والاستفادة منها في العملية التدريسية في ظل هذه الثورة التكنولوجية الهائلة نحن بحاجة الى ثورة في التعليم حتى يأخذ التعليم شكل المنظومة التعليمية ونستبدل بـذلك الثـوب القـديم ثوبـا جديدا ، ليس في درجة جاذبيته الشكلية فقط لكن فيما يكمن وراءه ، أي في جوهر المنظومة التعليمية بمكوناتها المختلفة، حتى نساير عصر ثورة استخدام التكنولوجيا الحديثة القائمة على تكنولوجيا المعلومات وما يرتبط بها من حاسبات وشبكات نقـل المعلومات لننتقل من حالة التعليم الجامد إلى التعلم المرن ، و لنقل دور المعلم من مصدر أساسي للمعلومات الى معلم للتلاميذ على طريقة سليمة متأدا صدور مصادرها منهـا ، ذلك أن الحصول على هذه المصادر يكون الهدف الأسمى للتعلـيم هـو الوصـول إلـى مـصادر المعرفـة وتوظيفهـا فـي الحيـاة وفـي حـل المـشكلات، و باستخدام التكنولوجيا يتغير دور التلميذ من مستمع سلبي إلى مشارك وباحث وناقد ِّ ومقوٍم أساسي لنتاج جهده ، منٍ جهة أخرى وبما أن الكثير من المعلومات والمعارف التي تحويها المقررات في اي بلدة يؤيد أن ينمي قدرات و مهارات المتعلم لكن اليوم أصبح التعلّم الذاتي شكلاً من أشكال عمليّة التعلّم الحديثة. لا يعني ذلك أنّه حلّ محلّ التعلّم التقليدي بالطبع، إلاّ أنه مع ذلك عزّزها محقّقًا بذلك نتائج رائعة بحقّ. فقد أثبت التعلّم الذاتي فعاليته كونه مريحًا وسريعًا لاسيّما مع ظهور شبكة الإنترنت. فقد أصبح بالإمكان تعلّم أي شيء من خلال بحث بسيط على جوجل، أو عن طريق مشاهدة فيديو على يوتيوب، أو ببساطة من خلال قراءة تعليمات الاستخدام، هكذا أصبح التعلّم الذاتي هو الشكل الحديث من عمليّة التعلّم الذي يسلّح الأفراد بمختلف المهارات المرتبطة بوظائفهم، تخصصاتهم أو حياتهم بشكل عام. إلاّ أنه مع ذلك قد يكون عملية صعبة أيضًا حتّى على أذكى الطلاّب، نظرًا لما يحتاجه من انضباط والتزام. يقول يورما كوبينن مدير التعليم العامّ بالمجلس الوطنيّ الفنلنديّ للتعليم: “يدعم المستوى الرفيع الذي يتميز به نظام المدارس الفنلندية إيمانًا قوميًّا راسخًا بأن الشعب هو أهم مورد من موارد الأمة، وله الحق في الحصول على تعليم رفيع المستوى.” يتم إنفاق ما بين 11 و12% من الميزانية العامة للدولة وميزانيات البلديات الفنلندية على التعليم. وتغطي تلك النسبة التعليم المجانيّ قبل المدرسيّ، والتعليم الأساسيّ، والتعليم الثانويّ، والتعليم الفنيّ، والتعليم العالي، والتعليم المستمر، والدراسات العليا، كما تموِّل بصورة جزئية التعليم الحرّ للكبار. ويشكل هذا بدوره العمود الفقريّ للتعلم المستمر مدى الحياة، المتاح لجميع مَن يعيشون في فنلندا. لقد تجلت شمس المعارف في أربِعة أقطار المعمور واستنار الناس في هذا العصر لدرجة سخَّروا بها القوى الصامتة، والمياه المنحدرة، وأقلقوا سوابح البحار وراعوا ذوات الجناح في أجوائها، وكشفوا من أسرار الكون وعظمة الخالق وقدرته. ما يجدر بالمسلمين أن يكونوا فيه عند أوامر دينهم وآثار أسلافهم الذين كانوا نبراس الفنون ومصابيح الوجود يوم كانت حنادس الجهل تخيم على ربوع الغرب. ففي العقد الأول من القرن الرابع عشر بدت بشائر التعليم في (المدرسة الصولتية) التي أسسها الأستاذ (الشيخ رحمة الله الهندي) صاحب كتاب إظهار الحق بمعاونة المثرية الهندية الشهيرة (صولة النساء) رحمهما الله في عاصمة الإسلام فتلقى فيها بعض الطلبة دروساً على شيء من النظام وحسن الترتيب وكان لرجالها ومعلميها بعض الأثر في إحياء ما انطمس من معالم التعليم. وأخرجت عدداً ليس بالقليل من التلامذة الذين كانوا باكورة المتعلمين في الحجاز. وشغلوا بعدئذ مراكز في المدارس ودوائر الأعمال ومناصب الحكومة العالية ثم أنشئت (المدرسة الفخرية) بمساعي الشيخ (عبد الحق الهندي) فقامت بواجبها في إنهاض الأحداث من كبوة الأمية التي كانت مستحكمة الحلقات في جميع الطبقات. وهيأت عدداً صالحاً من أبناء البلد الأمين لتلقي الفنون الابتدائية وسلكت بهم سبيل التدريج في الترقي على حسب استعدادهم فتخرج منها نفر تألفت منهم ومن أولئك طائفة فتحت أبصارها لرؤية الصباح المسفر وإن الحجازيين ليحفظون بين قلوبهم للأستاذ الجليل (الشيخ محمد الخياط المكي) مؤسس المدرسة الخيرية يده البيضاء بإنشائها فهو صاحب الفضل الأكبر بين مواطنيه بإقدامه على هذا العمل العظيم. وإدخاله التحسينات العصرية في نظام مدرسته. حتى جعلها مهوى أفئدة الطلاب ومرتعاً خصيباً يرتاده المجدبون. في ذلك العهد ولا أنسى لحضرة الأستاذ الجليل (الشيخ عبد الله حمدوه) جهوده المتواصلة في مدرسته التي كانت تكتظ بالتلاميذ على اختلاف درجاتهم فقد رشفوا من مناهل مدارسه التي فتح أبوابها في عدة جهات من أم القرى فكانت أعذب مورد يرتوي منه عطاش الناشئة من معين صفت مناهله وفاضت غدرانه. وما زال على تطاول الأيام يجود بسلسبيله ويجاهد صاحبه فيما هو بسبيله فلله ما قدم من خدمة جليلة يذكرها الآباء للأحفاد بلسان التقدير والامتنان ومن دواعي الفخر والابتهاج ما قام به الرجل الفذ والشهم الغيور (الشيخ محمد علي زبنل) من مشروع (المدارس الفلاحية) في مكة المكرمة وجدة. التي هي أشبه بالجامعات بالنسبة للحجاز في الوقت الذي أنشئت فيه. وكان عضده المتين وساعده الأقوى في ذلك الشاب الصالح والوطني المخلص (الشيخ عبد الرؤوف جمجوم) رحمه الله، الذي خلفه في هذه المساعدة أخوه الفاضل (الشيخ محمد صالح جمجوم) أجل: قد اختار المؤسس المشار اليه للمدارس المذكورة التي بذل ويبذل لها حتى الساعة أقصى ما يمكن أن يجود به محسن في سبيل الخير العام من جيبه الخاص - أصلح الأساتذة. وأمثل المعلمين وعلى رأسهم مدير مدرسة الفلاح بمكة الشيخ (عبد الله حمدوه) السالف الذكر وبجدة (الشيخ حسين مطر) فقامت بدورها وقطعت شوطاً بعيداً في التثقيف. المبني على أصول الدين الحنيف. وكان لها القدح المعلى في نشر العلم بين الناشئين. و أخيرا نأمل أن نكون قد وفقنا في هذا الموضوع بالدراسة إلى تحديد درجة امتلاك معلمي التربية المهنية للمهارات الوظيفية من وجهة نظرهم ونظر مديري مدارس وبيان مدى الاختلاف في درجة امتلاكهم للمهارات الوظيفية باختلاف كل من: الجنس، والخبرة التربوية، والمؤهل العلمي ، ونكون قد وجدنا مقاربة بنيوية للتحول إلى منظومة تعليمية تركز على المهارات وأساسها المدرسة .

    رد على التعليق

    إرسال الغاء

أضف تعليقك