للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

مقال بحثي

الذكاء الاصطناعي في مواجهة" سارس كوف 2": الفرص والتحديات

  • الكاتب : محمد معاذ

    زميل غوغل وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    08:45 ص

  • تاريخ النشر

    20 أغسطس 2020

الملخّص

تتناول هذه الورقة البحثية استخدامات الذكاء الاصطناعي مقابل فيروس "سارس كوف 2" المستجدّ، وتناقش المجالات الرئيسية التي يمكن له المساهمة فيها لمكافحة الفيروس. وتخلص الورقة إلى أنّ الذكاء الاصطناعي لم يكن له تأثيرًا فعليًّا حتى الآن على الفيروس. ويعوق استخدام هذه التقنية النقص في البيانات ذات الجودة أمام الكثير من البيانات المتأتّية، والتحيّز وغيرها. وسيتطلّب التغلّب على هذه التحديات توازنًا دقيقًا بين خصوصية البيانات والصحة العامة، والتفاعل الدقيق بين الذكاء البشري والاصطناعي. ومن غير المرجّح أن يتمّ التصدي للتحديات في الوقت الراهن خلال أزمة الوباء الحالي. إلّا أن الجمع المكثّف للبيانات المساعِدة للتشخيص حول من قد يسبب العدوى، سيكون ضروريًا لإنقاذ الأرواح، وتدريب الذكاء الاصطناعي والحدّ من الأضرار الأخرى المترتّبة.

  1. المقدمة

تمّ التعرّف على مرض "كوفيد 19" الناجم عن فيروس "سارس كوف 2" بالصين، في ديسمبر عام 2019. وتمّ الإعلان عنه كوباءٍ عالمي من منظمة الصحة العالمية في مارس 2020. ويتوفّر حاليًّا كميات متزايدة من البيانات المتعلّقة بالفيروس التاجي، وينبغي الاستفادة منها في مكافحة الوباء وتطوير اللقاحات وعمليات التوعية وغيرها. وقد شكّل الذكاء الاصطناعي أحد خطوط الدفاع التي تمّ الاعتماد عليها لمواجهة الفيروس، في أوّل اختبارٍ حقيقيّ للتكنولوجيا المستقبلية التي يمكن أن تمنع الأوبئة. ويُعرَّف الذكاء الاصطناعي بأنّه الأنظمة أو الأجهزة التي تحاكي الذكاء البشري لأداء المهام والتي يمكنها أن تحسّن من نفسها استنادًا إلى البيانات التي تجمعها، بغية التعرّف على الأنماط وشرحها والتنبؤ بها. ويوجد تعريفات أخرى لهذا المصطلح إلا أنه تبعًا للمراجعات الأدبية فهي تدور في فلك بعضها البعض. وفي هذه الدراسة، سيتمّ تناول تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي يجري الاستعانة بها لمواجهة فيروس "سارس كوف 2" المسبّب لمرض "كوفيد 19" مع إجراء مراجعة تقييمية لأوجه التطبيق وتبيان القيود والتحديات المواجِهة.
 

   1.1 أسئلة الدراسة

نظرًا لأن الدراسة تسلّط الضوء على استخدامات الذكاء الاصطناعي إزاء جائحة "كوفيد 19"، فهي تحاول الإجابة عن هذه الأسئلة:

  • هل بإمكان الذكاء الاصطناعي المساعدة في تتبّع انتشار العدوى والتنبؤ بها؟
  •  كيف يمكن له المساعدة في إجراء التشخيص والتنبّؤ حيال الفيروس؟
  • هل يمكن استخدامه في البحث عن العلاجات واللقاحات المحتملة؟
  •  كيف يتم استخدام هذه التقنية لتحقيق السيطرة الاجتماعية في مواجهة التفشي؟

 

 1.2 أهمية الدراسة وأهدافها

تكمن الأهمية في استخلاص رؤى من المناقشات حيال استخدام الذكاء الاصطناعي في مواجهة فيروس "سارس كوف 2" المستجدّ. وتعدّ هذه الدراسة، من الأوراق البحثية القليلة جدًا التي تتناول هذا الموضوع باللغة العربية. وتحاول تقديم تقييم حول مساهمات الذكاء الاصطناعي في أزمة "كوفيد 19"، ورصد الحدود والقيود المرافقة، والتي تشتمل على الافتقار للبيانات، فضلًا عن الكثير من البيانات الغير الدقيقة والشاذة، والقلق المتزايد حيال خصوصية البيانات وضرورات الصحة العامة.
 

1.3 المنهجية

تعتمد الورقة البحثية على المنهج الوصفي التحليلي في إطار السعي نحو الإجابة على الأسئلة المطروحة، وتمّ الاستناد للمصادر العلمية والمراجعات الأدبية كأداة لجمع المعلومات بهدف تحليل الموضوع ومعالجته.

 

  1. الذكاء الاصطناعي و"كوفيد 19" بين المساهمات والقيود

 2.1 الإنذار المبكر

انتشرت في النصف الأول من شهر يناير/كانون الثاني 2020 أنباءٌ عن وجود إنفلونزا قاتلة في مدينة "ووهان" بالصين. وانتقل مرض "كوفيد 19" إلى مناطق صينية أخرى ومنها إلى الدول الأخرى حول العالم. وتنبأت "بلو دوت" المتخصصة في المراقبة التلقائية لانتشار الأمراض المعدية، بانتشار العدوى نهاية عام 2019، وأصدرت تحذيرًا لعملائها في 31 ديسمبر 2019، وكان ذلك قبل منظمة الصحة العالمية بعشرة أيام. واستخدمت الشركة الكندية نظامًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، يحلّل التقارير الإخبارية وبيانات أمراض الحيوانات والنباتات وغيرها من التقارير. غير أنّ "بلو دوت" لم تكن وحدها؛ فقد تمكّن نموذج "هيلث ماب" في مستشفى الأطفال ببوسطن بالولايات المتحدة الأميركية أيضاً من التقاط الدلالات الأولى للفيروس، وكذلك فعل نموذج ذكاء اصطناعي في شركة "ميتابيوتا" الأميركية.

وفي حين أنّ "بلو دوت" صُنّفت كأداةٍ قوية، إلا أنّ هناك الكثير من الدعاية حولها، والتي حملت المبالغة وبعض الاستخفاف بدور العلماء البشر. فجوهر عمل هكذا أدوات يتطلّب تفسيرًا إنسانيًّا لوجود تهديدٍ فعلي كما الحال مع الفيروس الحالي، وعادةً ما تكون الشركات مثل "بلو دوت" شديدة التكتّم على الجهات التي تزوّدها بالمعلومات، وكيفية استخدام هذه المعلومات وطريقة العمل، كما أنّ هذا الإنذار المبكر لم يشر إلى مستوى الخطورة لتفشي المرض الذي يشهده العالم حتى كتابة هذه الورقة البحثية، وهذا يؤكّد أنّ المدخلات البشرية هي مفتاح التطبيق الأمثل للذكاء الاصطناعي.

 

 2.2 التّشخيص

يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تشخيص المرض والتنبّؤ به. ويمكن أن يؤدي التشخيص السريع والدقيق للفيروس لإنقاذ الأرواح، والحدّ من انتشار المرض، وكذلك توليد البيانات التي يتم من خلالها تدريب النماذج. وهناك جهدٌ متزايد لتدريب نماذج تشخيص "كوفيد 19" باستخدام صور التصوير الشعاعي للصدر. ووفقًا لمراجعةٍ حديثة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مواجهة الفيروس فإنّ لهذه التقنية إمكانية أن تكون دقيقةً مثل البشر، ويمكنها توفير الوقت للعاملين في قسم الأشعة، وإجراء تشخيص أسرع وأرخص من الاختبارات القياسية المعتمدة للفيروس. ومن الأمثلة في هذا الصدد، تطوير شبكة عصبية ذكية (Deep Convolutional Neural Network) تستطيع تشخيص المرض  من خلال صور أشعة الصدر، وقد تمّ تدريب الشبكة على بيانات حوالي 13000 مريض يعانون من أمراض الرئة المختلفة بمن فيهم مرضى الفيروس المستجدّ، وذلك من مستودعات معلومات مفتوحة المصدر. ورغم ذلك فالشبكة ليست جاهزة تمامًا، وينبغي للمجتمع العلمي تطويرها بشكلٍ أكبر وفق ما يقول مطوروها. ونظرًا لأنّ جميع الأشخاص الذين تمّ تشخيص إصابتهم بـ "كوفيد 19" لن يحتاجوا إلى رعايةٍ مكثفة، فإنّ القدرة على التنبّؤ بمن سيتأثّر بشكلٍ أكبر يمكن أن تساعد في  التخطيط لتخصيص الموارد الطبية واستخدامها بكفاءةٍ أكبر . وتمّ استخدام التعلّم الآلي لتطوير خوارزمية تنبؤية بخطر وفاة شخصٍ مصابٍ بالفيروس، وذلك من خلال الاستعانة ببيانات من 29 مريضًا فقط وذلك في مستشفى "تونغجي" في مدينة "ووهان" الصينية. كما تمّ تقديم نموذج ذكاءٍ اصطناعي بإمكانه التنبّؤ بإصابة شخص بـ"كوفيد 19"بنسبة تصل إلى 80%، لكن عيّنة البيانات المستخدَمة لتدريب نظام الذكاء الاصطناعي كانت صغيرة (53 مريض) وتقتصر فقط على مستشفيين اثنين.

وعلى الرغم من أن عددًا من المستشفيات الصينية قامت بنشر تقنيات الأشعة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فإنّ إمكانات هذه التقنية في التشخيص لم يتم نقلها فعليّا إلى حيّز التنفيذ بعد. وأعرب أخصائيو أشعة عن قلقهم بسبب عدم توفّر بيانات كافية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وأنّ معظم صور "كوفيد 19" المتاحة تأتي من المستشفيات الصينية وقد تعاني من التحيّز في الاختيار، وأنّ استخدام الأشعة المقطعية والأشعة السينية (X-ray) قد يلوّث المعدات وينشر المرض بشكلٍ أكبر. وقد انخفض استخدام الأشعة المقطعية في المستشفيات الأوروبية بعد تفشي الوباء. وعليه، من المبكر جدًا الحديث عن تشخيص فيروس تاجي مثل "كوفيد 19" من قبل طبيب ذكاء اصطناعي.
 

 2.3 التتبّع والتنبّؤ

يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتتبّع مرض "كوفيد 19" والتنبّؤ بكيفية انتشاره مع مرور الوقت والمكان. ومن الأمثلة على كيفية القيام بذلك، كانت حالة فيروس "زيكا" عام 2015، والذي كان انتشاره متوقعًا مسبقًا، وذلك من خلال استخدام شبكة عصبية ديناميكية. بيد أنّ نماذج من هذا القبيل تحتاج إلى تدريب باستخدام البيانات. ولأنّ "سارس كوف 2" المستجدّ يختلف عن "زيكا"، لا تزال البيانات التاريخية غير كافية لبناء نماذج الذكاء الاصطناعي التي يمكنها من تتبّع انتشار الفيروس والتنبّؤ به.

وتميل معظم المنشورات المتزايدة حول استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض التشخيص والتنبؤ بـ "كوفيد 19" حتى الآن لاستخدام عيّنات صغيرة، من المحتمل أن تكون متحيّزة، ومعظمها في الصين ولم يتم مراجعتها بالشكل المطلوب. ومع ذلك، فقد ظهرت عدد من المبادرات الواعدة في جمع وتبادل البيانات الحالية والجديدة، وتدريب نماذج للذكاء الاصطناعي، ومن الأمثلة:

  • مجموعة بيانات "كوفيد 19 " للأبحاث المفتوحة (CORD-19) وهي تحتوي على أكثر من 45000 ورقةٍ بحثية علمية، بينها أكثر من 30000 نص حول فيروس "سارس كوف 2" والفيروسات التاجية.
  • قاعدة بيانات "كوفيد 19 " للأبحاث المقدّمة من منظمة الصحة العالمية، وتتضمّن أحدث النتائج العلمية الموثوقة المرتبطة بالفيروس.
  • موارد مايكروسوفت الأكاديمية (Microsoft Academic) وتطبيقاتها حول الفيروس المستجدّ.
  •  قاعدة بيانات المركز الوطني الأميركي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية (NCBI) وهي تضمّ أكثر من 27000 مقالة علمية عن فيروسات "سارس كوف 2" و "السارس" و"متلازمة الشرق الأوسط التنفسية"(MERS).

كما أصدرت "كاغل" وهي منصة رائدة في مجال علوم البيانات، مسابقة تحدّي في مجال بيانات الأبحاث المفتوحة لـ "كوفيد 19"، نظرًا للحاجة إلى المزيد من البيانات حيال الفيروس.  وكذلك أتاحت قاعدة البيانات إلسيفير(Elsevier) مستودع معلومات حيال الفيروس عند بداية انتشاره. وبالمثل، أتاحت منظمة "ذا لنس" (The Lens) جميع بياناتها عن براءات الاختراع في ما تسميه "مجموعات البيانات المفتوحة" الخاصة باكتشافات مرتبطة بالفيروسات، وذلك لدعم البحث عن عقاقير جديدة أو إعادة استخدام الموجودة في الأسوق.

وهناك سببٌ آخر وراء عدم كفاية الذكاء الاصطناعي في تتبّع انتشار المرض والتنبؤ به، إذ لا تقتصر القيود على الافتقار لبيانات التدريب فحسب كما ذًكر أعلاه، وإنّما أيضًا بسبب معوّقات في استخدام "البيانات الضخمة" مثل تلك التي يتمّ تحصيلها من منصات التواصل الاجتماعي. وقد تجلّى الإخفاق في البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في فشل خدمة "غوغل فلو ترندس" (Google Flu Trends)، والتي جرى إطلاقها للمساعدة في التنبّؤ بتفشي الإنفلوانزا، وهذا ما أطلق عليه بعض الباحثين إسم "غطرسة البيانات الكبيرة وديناميكيات الخوارزمية".

وبموازاة ذلك، سيحتاج العلماء إلى التعامل مع غزارة الأوراق البحثية الصادرة، والبيانات الجديدة التي يتم توليدها، حيث يتمّ إنشاء أكثر من 500 مقالة علمية حول "كوفيد 19" يومياً. ومع ذلك، فإنّ هذا الحمل الزائد المحتمل للمعلومات يمكن أن تلعب فيه أدوات تحليل البيانات دورًا مهمًا. ومن الأمثلة في هذا الصدد هي مبادرة "COVID-19 Evidence Navigator" والتي تقدّم دليلًا للمنشورات العلمية حول الوباء ويتم تحديثها بشكلٍ يومي.

ونتيجةً لنقص البيانات، وشذوذ البيانات الضخمة المتأتّية من منصات الإعلام الاجتماعي فضلًا عن غياب جودة البيانات، وتحيّز الخوارزميات وغيرها، فإن توقّعات الذكاء الاصطناعي لانتشار وتتّبع "كوفيد 19" لم تكن دقيقةً للغاية أو جديرة بالبناء عليها. كلّ هذه الأسباب المذكورة تحول دون استخدام معظم نماذج التتبّع والتنبّؤ للفيروس المستجد والمعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وبدلاً من ذلك، عمد علماء الاحصاء والباحثون إلى اعتماد نموذج انتشار الأمراض المعدية المعروف باسم "إس آي آر" (SIR) في توقع تطوّر انتشار الوباء على مستوى محلي خلال فترة محددة من الزمن. وعلى سبيل المثال، يستخدم معهد "روبرت كوخ "في ألمانيا نموذج "إس آي آر" الوبائي الذي يأخذ بالاعتبار تدابير الاحتواء المتّخذة من الحكومات، مثل عمليات الإغلاق والحجر الصحي وإجراءات التباعد الاجتماعي. وقد تم تطبيق نموذجها على الصين لتوضيح أنّ الاحتواء يمكن أن يكون ناجحًا في الحد من الانتشار إلى معدلات أبطأ من المعدّلات الأسية.
 

 2.4 العلاجات واللقاحات

أخذ دور الذكاء الاصطناعي بالاتّساع مع سعي العديد من الشركات المستخدِمة لهذه التقنية في محاولة إيجاد مركّبات دوائية محتملة للقضاء على الفيروس. وحتى قبل فترةٍ من تفشي الفيروس المستجدّ، تمّت الإشادة بهذه التقنية لقدرتها على المساهمة في اكتشاف دواءٍ جديد.

ومع "كوفيد 19" أشارت العديد من مختبرات البحث ومراكز البيانات بالفعل إلى أنها تستعين بالذكاء الاصطناعي للبحث عن العلاجات واللقاحات ضد الفيروس التاجي. ويكمن الأمل في المساعدة بتسريع عمليات اكتشاف الأدوية الجديدة وكذلك إعادة استخدام الأدوية الموجودة وهذا ما تؤكّده دراسات تضمّنت نتائج استخدام تقنية التعلّم الآلي لتحديد إمكانية استخدام دواء "أتانازافير" (Atazanavir) ضد الفيروس، وكذلك جرى تحديد عقار "باريسيتينيب" (Baricitinib) المستخدَم لعلاج التهاب المفاصل الروماتيدي، كعلاجٍ محتمل لـ كوفيد 19.

ومن المتوقع أن لا يتوفّر اللقاح ضد الفيروس في المستقبل القريب، ويعود السبب في ذلك إلى الفحوصات والتجارب السريرية والضوابط التي يجب إجراؤها قبل الموافقة على أيّ لقاح، وهذا يستغرق وقتًا قد يصل إلى 18 شهرًا بالحدّ الأدنى.
 

 2.5 الرقابة الاجتماعية

باتت تقنية الذكاء الاصطناعي ضرورية لإدارة الوباء، من خلال استخدام التصوير الحراري لمسح الأماكن العامة بحثًا عن الأشخاص المحتمل أن يكونوا مصابين، ومن خلال فرض إجراءات التباعد الاجتماعي.  وفي مطارات ومحطات القطار في الصين، يجري استخدام كاميرات الأشعة تحت الحمراء لمسح الحشود للبحث عن درجات الحرارة المرتفعة بين الأشخاص، كما يتمّ استخدامها في بعض الأحيان مع نظام التعرّف على الوجوه، الذي يستطيع تحديد الأفراد ذوي درجة الحرارة العالية، وإذا ما كانوا يرتدون الكمامات. وبإمكان هذه الكاميرات إجراء مسحٍ على 200 شخص في الدقيقة الواحدة، والتعرّف على الأشخاص الذين تتجاوز درجة حرارة جسمهم 37.3 درجة مئوية. ومع ذلك، تمّ توجيه الإنتقادات حيال تقنية التصوير الحراري باعتبارها غير كافيةٍ للتعرّف على الحمى من مسافة بعيدة لدى الأشخاص الذين يرتدون النظارات لأنّ فحص القناة الدمعية الداخلية هو الذي يعطي المؤشر الأكثر موثوقية، ولأنّها لا تستطيع تحديد ما إذا كانت درجة حرارة الشخص المرتفعة هي بسبب "كوفيد 19" أو هناك سبب آخر. كما أنّ هذا النظام يتم استخدامه أيضًا لضمان التزام المواطنين بأوامر الحجر الصحي الذاتي.  ووفقاً للتقارير، فإنّ الأفراد الذين خالفوا التعليمات، وغادروا المنزل يتلقّون مكالمات من السلطات، بعد تعقّبهم بواسطة نظام التعرّف على الوجه ما يثير جملةً من التساؤلات حيال انتهاكات مرتبطة بالخصوصية. ولا يقتصر استخدام هذا النوع من الأنظمة على الصين فقط، فمثلًا تقدم شركات ناشئة في الولايات المتحدة برامج "الكشف عن المسافات الاجتماعية" والتي تستخدم صور الكاميرا للكشف عن انتهاك قواعد التباعد الاجتماعي، وبعدها تقوم بإرسال التحذيرات. وحتّى كتابة هذه الورقة البحثية، تختبر الكثير من الدول العديد من تطبيقات وأدوات التتبّع لتوفير الرقابة الاجتماعية.

وفي حين أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص والتنبّؤ بـ "كوفيد 19" تواجهه معوّقات بسبب النقص في بيانات التدريب، فإن أدوات هذه التقنية مثل الروبوتات ليست كذلك. وعليه، من المرجّح على المدى القصير رؤية هذا النوع من الذكاء الاصطناعي يتم استخدامه أكثر في السيطرة الاجتماعية. ومن المرجّح أيضًا أن يتمّ توظيف التقنيات ذات الصلة، مثل الهواتف المحمولة التي تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي أو الأجهزة القابلة للارتداء التي تحصد بيانات الموقع الجغرافي، والبيانات الصحية للأفراد. ومثل هذه التطبيقات تساعد على "تمكين المرضى من تلقّي معلومات في الوقت الفعلي من مقدمي الرعاية الصحية، وتزويد الناس بالنصائح والتحديثات حول حالتهم الطبية دون الحاجة لزيارة المستشفى شخصيًا، وإبلاغ الأفراد بنقاط العدوى المحتملة في الوقت الفعلي حتى يمكن تجنّبها".

وعلى الرغم من كونها مفيدة، إلّا أنّ الخوف يكمن في تآكل خصوصية البيانات بمجرد الانتهاء من تفشي المرض، وأن تستمرّ الحكومات في استخدام قدرتها المحسّنة على مسح سكانها، واستخدام البيانات التي تمّ الحصول عليها في مكافحة "كوفيد 19" لأغراضٍ أخرى. وهناك تحذيرات من أنّه حتى لو تمّ انخفاض الإصابات الناجمة عن الفيروس التاجي إلى الصفر، يمكن لبعض الحكومات المتعطّشة للبيانات أن تزعم أنها بحاجةٍ للإبقاء على أنظمة المراقبة البيومترية في مكانها، لأنها تخشى حدوث موجات أخرى من الفيروس، أو بحجة وجود سلالة جديدة من فيروسات تتطوّر أو غيرها من الأسباب.
 

  1. ملاحظات ختامية

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون إحدى أدوات مكافحة "كوفيد 19" والأوبئة المشابهة. ولكن بناءً على ما ذُكر أعلاه، ينبغي إدراك أنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تزال في مرحلةٍ أولية، وسوف يستغرق الأمر وقتًا قبل ظهور نتائج تدابير الذكاء الاصطناعي هذه. هذا ما تؤكده دراسة استقصائية حول النماذج المستخدمة ضد "كوفيد 19"، وتخلص إلى أنّ "عددًا قليلًا جدًا من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تمت مراجعتها واستعراضها تتمتّع بنضجٍ تشغيلي في هذه المرحلة". ومن الواضح أنّ البيانات تشكّل أهميّة مركزيّة فيما يتّصل بفاعلية الذكاء الاصطناعي لمكافحة الأوبئة في المستقبل. ولكنّ يكمن القلق في مدى احترام خصوصية البيانات، خصوصًا إذا استمرت الحكومات في استخدام البيانات الصحية بعد فترةٍ طويلة من انتهاء الوباء. وبالتالي فإنّ المخاوف من انتهاكات الخصوصية لها ما يبرّرها.

ونظرًا لتهديد الصحة العامة الذي يشكله الوباء، تسمح اللائحة الأوروبية لحماية البيانات العامة (GDPR) مثلًا، في المادة رقم 9 بجمع البيانات الشخصية وتحليلها، طالما أن لها هدفًا واضحًا ومحددًا في مجال الصحة العامة. ومن الضروري توفير المرونة لجمع البيانات الضخمة وتحليلها في مكافحة الوباء، حتى لو كان ذلك يتطلّب قيام السلطات بجمع بياناتٍ شخصية أكثر من المعتاد. لذلك، من المهمّ بمكان، إيلاء السلطات عنايةً خاصة في تعاملها و معالجتها لهذه البيانات، ومبرراتها واتصالاتها مع الجمهور بشكلٍ عام. ومكمن الخطر هنا، أنّ الأفراد قد يفقدون الثقة في حكوماتهم، وهذا ما سيجعلهم أقلّ ميلًا إلى الالتزام واتّباع التوصيات والنصائح المتعلّقة بالصحة العامة، ما يؤشر  إلى نتائج صحية سيئة.

ورغم أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي يُعدّ محدودًا حتى الآن، إلا أنّ الوباء والاستجابات له على أكثر من مستوى، قد تعمل على التعجيل برقمنة الاقتصاد، بما في ذلك التحرّك نحو أتمتةٍ أكبر، وإعادة دعم وتوجيه أنشطة الإنتاج، وتزايد هيمنة عددٍ قليل من شركات المنصات الرقمية الكبيرة. وعلى هذا النحو، فإنّ الابتكارات في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتي قد تكون إحدى نتائج الأزمة الحالية، قد تتطلّب من المجتمع إحراز تقدّمٍ أسرع لوضع الآليات المناسبة لإدارة هذه التقنية.

 

ورقة بحثية شاملة وهامة في موضوع هام يمثل أحد تقنيات المستقبل الواعدة وهو الذكاء الاصطناعي، وإمكانية إسهامه في إدارة جائحة تشمل العالم أجمع.

ننصحكم بقراءة المقال كاملا مع المراجع المعتمدة في ملف PDF المرفق.

 


البريد الإلكتروني للكاتب: mohamadmaaz1991@gmail.com

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك