للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

كورونا بين حقيقة الفيروس ومحدودية ردود الفعل

  • الكاتب : سعد عمر عميص

    طالب دكتوراه في علم الأحياء (الجامعة الأميركية في بيروت)

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    11:04 ص

  • تاريخ النشر

    02 يوليو 2020

منذ بضعة أشهر مضت، ما كان ليخطر ببال أحد مدى التغيير الذي سيحدثه تهديد صحي بسيط على بنية العالم الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية كافة. وحتى اليوم، يظهر فيروس الكورونا المستجد على منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي وعلى جدول أعمال الحكومات حول العالم على أنه خطر مهول غير مسبوق، وأنه أجدر بأن يتقدم على غيره من الآفات الإنسانية كالفقر والمجاعة والبطالة وأوبئة دول العالم الثالث وغيرها. ولا شك أن اعتباراً مدروساً كهذا لم يعد مقيداً بالمعطيات العلمية والطبية. ولكن كان من اللازم العودة إلى أصل المشكلة كما تراها الدراسات العلمية الموضوعية، وإن لم يكن لهذا البحث فائدةٌ سوى أن يُذهب الخوف والفزع من نفوس العامة وغير ذوي الاختصاص لكفى.

يعرض هذا المقال أولاً للأرقام المتداولة عن ارتفاع نسبة الوفيات والإصابات، فيظهر التحيز الكامن في التركيز على تلك المتعلقة بفيروس الكورونا بمعزل عن سائر الفيروسات التنفسية التي ينتمي إليها. ثم يبحث أحقية أن يُدرج تحت اسم الأوبئة/الجائحات التي تنبني عليها الإجراءات والسياسات الجذرية مما رأيناه وخبرناه. ويأتي بعدها على التوجه القاصر في احتكاره الأنظمة الاستشفائية على حساب أمراض أخرى هي أشد خطورة وأجدر بالعناية الطبية وأفضل تماثلاً وتحسناً على أثرها. ثم ينتهي إلى الخطة الأمثل للخروج من الأزمة بناءً على خصائص الفيروس نفسه كما صارت بينة لدينا.

تمهيد

توقعت الحكومة البريطانية موت 65 ألفاً من إنفلونزا الخنازير في العام 2009، ولكن انتهى الأمر إلى أقل من 500 وفاة. في المقابل، يقتل الملاريا والسل الملايين من الناس سنوياً خصوصاً في البلدان النامية، وتسفر الإصابات المكتسبة من المستشفيات عن وفاة 99 ألفاً في الولايات المتحدة في كل عام. تدعو هذه الأرقام إلى التساؤل عن السبب الذي يجعل الحوادث الأقل خطورةً كالكورونا في هذا العام أكثرَ مدعاةً للهلع عند الناس، إذ يرى غيرد غيغيرنزر (مدير مركز هاردينغ لمحو أمية المخاطر في برلين) أن الجواب يكمن في السرعة التي يتجلى فيها خطر ذلك الحادث. فيصعب مثلاً تخيل وقياس خطورة الإنفلونزا الموسمية (مقارنةً بفيروس الكورونا) وحوادث السير (مقارنةً بحوادث الطائرات) لكونهما يحصدان الأرواح على فترة أطول من مثيليهما. ومن تبعات سوء تقدير المخاطر اعتمادُ الهلع غير المبرّر دافعاً ومحركاً لسياسات الدول، كأن أسرفت الحكومة الأميركية ما يفوق المليار دولار للحصول على دواء تاميفلو الذي نصحت به منظمة الصحة العالمية وتم تسويقه على أنه يحمي من إنفلونزا الخنازير في العام 2009، وحتى الآن لم تتأكد فعالية هذا الدواء ضد الإنفلونزا (1).

وخلافاً لما يظنه الكثير من الناس، يبقى المجتمع العلمي في يومنا هذا عرضةً لتأثير التحيزات البشرية في مصداقية الدراسات العلمية. ولا يغيب هذا عن أهل الاختصاصات الأكاديمية والبحثية، فقد نشرت دورية نايتشر المرموقة استطلاعاً في تموز 2016 يبين أن 52٪ من أصل 1576 باحثاً يعتقد بوجود أزمة فادحة على صعيد تكرار نتائج التجارب العلمية، وأن من أهم أسباب ذلك الفشل انتفاءُ تسجيل النتائج كاملةً خشية التقليل من أهميتها أو اعتبارها نتائج سلبية قلّ ما تضيف إلى نطاق بحثها شيئاً. ومن تلك الأسباب أيضاً الوقوع تحت ضغط الرغبة في النشر وهو ما تحتمه المؤسسات الأكاديمية، وكذلك تدني مستوى المهارات الإحصائية لدى الباحثين (2). كما يبدو أن هذه التحيزات قد وجدت سبيلها إلى الأبحاث العلمية التي تتعلق بفيروس كورونا المستجد وما ترتب عليه من سياسات اجتماعية قاسية. إذ يحذر د. جون إيونيديس، أستاذ الطب وعلم الأوبئة وعلم البيانات الطبية الحيوية والإحصاء في جامعة ستانفورد، من "تأثير النزعة العاطفية في أهم الأروقة العلمية. بالإضافة إلى أن التحكيم العلمي قد يتعطل في ظل أدلة قليلة وآراء قوية . . . وأن التقديرات المتداولة [لكورونا] مبالغ فيها في أكثر الأحيان، حتى وإن صدرت عن علماء ناجحين" (افتتاحية الدورية الأوروبية للتحقيقات السريرية، 12 آذار/مارس 2020) (3). لا يستهان بقول إيونيديس هذا فإن إحدى مقالاته، على سبيل المثال، بعنوان "لماذا أغلب نتائج البحوث المنشورة خاطئة؟" (2005) هي أكثر الأبحاث تحميلاً من المكتبة العامة للعلوم PLoS وتُعدّ من ركائز مجال ما وراء العلم Metascience الذي يُعنى بتنقيح نتائج الأبحاث العلمية لتحسين قيمتها.

الأرقام غير ثابتة ولا يعول عليها

فيما يكثر الحديث عن نسبة الإصابات والوفيات من فيروس كورونا، يرى إيونيديس أن هذه الأرقام لا تمثل ما تدعيه: فإن تقدير منظمة الصحة العالمية الأولي لمعدل الإماتة (3,4% من مجمل الحالات الموثقة) يهمل بوضوح نسبة الإصابات التي لم يتم فحصها، بالإضافة إلى الارتباط العُمريّ الوثيق لهذا المعدل. وقد انخفض هذا المعدل اليوم ليتراوح بين0,5  إلى 1٪. حتى في إطار وضع هذه الأرقام في سياقها الصحيح، تصيب فيروسات مختلفة من الكورونا الملايين من الناس كل عام، وهي شائعة بين كبار السن وحالات الاستشفاء من الأمراض التنفسية في فصل الشتاء. فقد تراوح معدل الإصابة السنوي جراء فيروسَي الكورونا CoV 229E وOC43 بين 2,8 و26 ٪ من الفئات التي تم البحث فيها بين 1999 و2003. بل تم رصد معدل إماتة يصل إلى 8٪ في دراسة لتفشي فيروس OC43 في إحدى دور رعاية المسنين (3).

إذاً لا يعدو فيروس الكورونا المستجد عن كونه طارئاً على الفيروسات التنفسية الأخرى. وقد خلصت دراسة أولية إلى أن الإصابة بهذا الفيروس لا تختلف إحصائياً عن الإصابة بفيروسات الكورونا الأربعة التي تتنقل حالياً بين البشر. وبالإضافة إلى الإصابات من أربعة عشر فيروساً متوطناً آخرين، فإن مجمل الوفيات جراء الالتهابات التنفسية يقدر بـ2,6 مليوناً في السنة حول العالم، ولا يبدو أن وفيات الكورونا المستجد ستمتاز عن هذه الأرقام (4). وعن هذا يقول إيونيديس "إذا استثنينا الفَيروسَين السارس والميرس المشهورَين والقاتلَين، فمن المرجح أن فيروسات كورونا أخرى تصيب الملايين من الناس وتقتل الآلاف. ولكن في هذه السنة فقط تظهر كل حالة إصابة وكل حالة وفاة على الأخبار" (3).

والغريب أن معدل الإماتة لفيروس الكورونا المستجد يحتمل تأويلات عدة، على حد قول د. جون لي وهو أستاذ متقاعد في علم الأمراض ومستشار سابق لخدمات الصحة الوطنية البريطانية. من هذه التأويلات أن أغلب الفحوصات في المملكة المتحدة أجريت في المستشفيات حيث النسبة العالية من المرضى المعرضين لأي نوع من الإصابة، وهو مؤشر على أن معدل الإماتة مبالغ فيه. أما التأويل الأكثر جدية فعدم اعتبار الإصابات التنفسية عادةً من أسباب الوفاة، حتى وإن كانت آخر العلل ظهوراً. ولكن فيما يتعلق بمرض الكورونا لهذا العام، فقد تم إدراجه من ضمن الأمراض التي يلزم التبليغ عنها بخلاف أغلب الإصابات الأخرى بما فيها الإنفلونزا. وبالتالي، "قد يظهر الكورونا على أنه أشد فتكاً من الإنفلونزا لمجرد الفرق في أسلوب تسجيل أسباب الوفاة" (5).

والأهم من ذلك "الفرق الكبير بين أن يسبب مرض الكورونا الموت، وبين أن يظهر عند من مات من أسباب أخرى." فإن بحثاً نُشر في دورية الطب الداخلي للجمعية الطبية الأميركية وشارك فيه إيونيديس (7 نيسان/ابريل 2020) يشير إلى أسباب تسجيل الأرقام العالية للوفيات في إيطاليا. وأبرزها كون إيطاليا البلد الثاني عالمياً من حيث نسبة المسنين، وارتفاع نسبة المرضى المدخنين فيها ونسب مرضَي الانسداد الرئوي المزمن ونقص التروية القلبية، وكلها تزيد من احتمال الوفاة مع فيروس الكورونا. بل إن الأغلبية الساحقة ممن عُدّ في وفيات الكورونا (98,8%) كان مصاباً بمرض أساسي آخر على الأقل، وحوالي النصف (48,6%) كان مصاباً بثلاثة أمراض أو أكثر. وعلى صعيد النظام الاستشفائي في إيطاليا، فإن المستشفيات الإيطالية خلال فصل الشتاء تصل إلى 87٪ من قدرتها الاستيعابية جراء موسم الإنفلونزا. كما أن النسبة العالية لإصابات الطاقم الطبي (9٪ من مجمل الإصابات في لومباردي) ساهمت في إرهاق النظام الاستشفائي ونقل الفيروس بين المرضى بشكل أسرع (6).

هل تصح نسبة الوباء لفيروس الكورونا المستجد؟

من الممكن أن يقال إن الكورونا مرضان لا مرضٌ واحد، بحيث يصيب أحدهما الغالبية العظمى من الناس الأصحاء دون عمر ٦٥ سنة، ويصيب الآخر كبار السن والضعفاء مناعياً (7). المرض الأول خفيف العوارض لا يظنه المصاب به مختلفاً عن الرشح أو الإنفلونزا، وإن نسبةً قد تقارب 80٪ من مجمل الإصابات لا تظهر عليها العوارض أصلاً. هذه حقيقة لا ينبغي أن تُهمل، بل هي أساس عجز الدول عن احتواء الفيروس في المقام الأول، وهي التي تظهر وداعة هذا الفيروس إذا ما قيس بغيره من الأوبئة. فعلى سبيل المثال، إن 80٪ من وفيات إنفلونزا الخنازير H1N1 (الذي عُدَّ وباءً في العام 2009) وقعت فيمن عمره أقل من ٦٥ سنة، بينما تقع 70 إلى90 ٪ من وفيات الإنفلونزا الموسمية فيمن عمره أكثر من ذلك. بالمقابل، تقع 95٪ من وفيات فيروس الكورونا المستجد فيمن فاق عمره 60 سنة، وأكثر من نصف هذه النسبة كانت فيمن زاد عمره عن 80 سنة (بيانات منظمة الصحة العالمية). ولهذا يرى كارل هنيغان وتوم جفرسون من مركز الطب المبني على الأدلة CEBM في جامعة أوكسفورد أن "البيانات تؤيد نظرية أن يكون التفشي الحالي [أي للكورونا] حالة موسمية متأخرة في نصف الكرة الأرضية الشمالي والذي أتى عقب موسم خفيف من الأمراض الشبيهة بالإنفلونزا. كما أن الهيكل العمري لأكثر من أصيب به لا يطابق أدلة الأوبئة (الجائحات) السابقة" (8).

وليست هي المرة الأولى التي يثار فيها هذا الإشكال الاصطلاحي بين الأوبئة والتفشيات الموسمية. فقد انتقد المجلس الأوروبي منظمةَ الصحة العالمية بعد أن عدلت تعريفها للوباء، وكان ذلك قُبيل إعلانها حالة الوباء لإنفلونزا الخنازير عام 2009. إذ بات تعريفها يقتصر على "أن وباء الإنفلونزا هو حالة ظهور فيروس جديد للإنفلونزا لا تملك البشرية مناعة ضده" بعد أن أُسقط اعتبار أن "يؤدي هذا المرض إلى أعداد ضخمة من الموت والأمراض" (9). والجدير بالذكر أن المنظمة لجأت إلى تعليل كالذي لجأ إليه هنيغان وجفرسون أعلاه، وجعلت منه أحد تبريرات قرارها الأولي بشأن التمايز بين إنفلونزا الخنازير والإنفلونزا الموسمية، فذكرت أن "الإنفلونزا الموسمية المعهودة تؤدي إلى أكثر الوفيات عند كبار السن بينما تظهر الحالات الحرجة الأخرى في الغالب عند المصابين بأمراض متعددة. بالمقابل، وباء H1N1 هذا يسبب المرض الشديد أو المميت فيمن هم أقل سناً، سواء ممن لديهم أعراض مزمنة أم الأصحاء، ويسبب حالات التهاب رئوية فيروسية أكثر مما تثيره الإنفلونزا الموسمية" (24 شباط 2010) (10). يُذكر أن أسقطت المنظمة نسبة الوباء عن إنفلونزا الخنازير بعد عام من تفشيه وأدرجته في عداد الفيروسات المستوطنة والموسمية، مع العلم أنه قد أسفر عن 151 ألفاً إلى 575 ألفاً من الوفيات حول العالم في سنته تلك.

فيروس الكورونا واستنزاف الأنظمة الاستشفائية

لا يقتصر خطر الفيروس على خصائصه الذاتية وتسببه بالمرض والوفيات، بل يضاف إليه كون الفيروس مستجداً لا مناعة للبشرية ضده وأنه سريع التفشي، ما يعني أن الكثير من الناس سيصابون به في وقت قليل وقد يؤدي ذلك إلى إرهاق الأنظمة الصحية ثم إلى زيادة الوفيات جراء القدرة المحدودة لاستقبال المرضى ومعالجتهم. ولكن لا بد من النظر إلى السياق الأكبر الذي يحل فيه هذا الخطر.

أولاً، إن مبدأ تسطيح المنحنى المتداول الذي يمنح بعض الوقت لتجهيز المستشفيات والتخفيف المؤقت لانتشار الفيروس لن يقلل البتة من وفيات الكورونا على المدى البعيد، بل قد تكون الموجات الثانية وما بعدها من تفشي الفيروس أشد خطورة على الحياة إذا تأجلت ذروة انتشاره من الصيف إلى الشتاء، وذلك لاحتمال أن يخف انتشار الكورونا قليلاً في الطقس الدافئ ولزيادة اشتغال المستشفيات بمعالجة الإنفلونزا الموسمية في الشتاء (11). كما توقعت دراسة حديثة يرأسها د. مايكل أوسترهولم، أستاذ علم الأوبئة في جامعة مينيسوتا، مسارات ثلاثة محتملة لتفشي الكورونا تتفق كلها على أننا لن نشهد نهاية انتشار هذا الفيروس قبل نهاية العام الجاري (12). ما يعني أن الاعتماد على هذا المبدأ وحده حلٌّ غير كافٍ ولا مستدام في التعرض للفيروس، خصوصاً بسبب انخفاض القدرة على تجهيز المستشفيات مع الوقت نتيجة لإغلاق المصانع وإيقاف استيراد المعدات والمستلزمات الطبية.

ثانياً، لا حصانة للطاقم الطبي والاستشفائي من الإصابة بفيروس الكورونا، وقد بلغت نسبة الإصابات جراء عدوى المستشفيات حوالي 44٪ من مجمل الإصابات، شكّل الطاقم الطبي منهم نسبة 33٪ (وهي نسب أولية ولكنها تقارب نسب فيروسَي السارس والميرس) (13). ثم إن الاستنسابية في معالجة المرضى عند استنزاف المستشفيات كالتي شهدته المدن الإيطالية الشمالية ليست الأولى أو الوحيدة من نوعها في المعضلات الأخلاقية الطبية. فالأولوية معتبرةٌ أيضاً في قبول زرع الأعضاء للمحتاجين إليها. كما أن في الأنظمة الصحية الأقل امتيازاً في جنوب أفريقيا مثلاً، يُعد موت المصابين من السل بعد حرمانهم من العناية المركزة أمراً عادياً (14).

ثالثاً، ينبغي اعتبار الأخطار الصحية غير المتعلقة بالكورونا نتيجة لاحتكاره الأنظمة الاستشفائية. إذ انخفضت نسبة المعالجة الاستشفائية للمصابين بنوبات قلبية حادة بحوالي 40٪ منذ ظهور فيروس الكورونا في الولايات المتحدة (15)، وقد أثر الوباء على علاج 87٪ من مرضى السرطان حيث يعاني أغلبهم من تأخر العلاج (16). ما يعني أن العديد من هؤلاء خائفون من أن يصابوا بالفيروس إذا قصدوا المستشفيات. بل إن 20 إلى 47٪ من نسبة زيادة الوفيات هذه السنة لم تكن بسبب الكورونا في دراسة لأربع دول أوروبية وولاية نيويورك الأميركية (17). وبالعودة إلى الدول الأكثر تهميشاً في ظل هذه الأزمة، فقد توقعت دراسة من منظمة الصحة العالمية وفاة ما بين 400 إلى 800 ألف شخصاً في أفريقيا من الملاريا نتيجة لوقف إيصال التدخلات المضادة لهذا المرض، والتي يُخشى أن تساعد في تفشي فيروس الكورونا (18).

رابعاً، يبقى أن نسلط الضوء على الفئة الأكثر عرضة للمرض وهم كبار السن، حيث يذكر د. جون لي أن هؤلاء يتأذون مباشرة من إجراءات الإقفال: "ماذا عن الذين ماتوا في هذه الفترة من الكورونا أو من الأمراض الكثيرة الأخرى؟ هل من الصواب أن يعانوا وحدة الموت وأن لا يودعوا أحباءهم ولا يودعوهم؟ ما تأثير ذلك على الأحياء؟ كم توفي من كبار السن لأنه لم يحصل على العناية اللازمة؟ وباسم مَن تستمر سياسات الإغلاق؟ هل يحتاج كبار السن الأصحاء وغيرهم من الضعفاء إلى الدولة لتستمر بهذا الإجراء المؤذي لأجل حمايتهم، أم أنهم أحق أن يقوموا بتقييماتهم الخاصة في وجه المجهول كما كان لهم ذلك دائماً؟" (19). ومن هذا القبيل أن ثلاثة أرباع الوفيات من الكورونا في هولندا لم يتم وضعهم في العناية الفائقة (إلى حين 19 آذار) انطلاقاً من حفظ قيمة الحياة لكبار السن الذين قد لا يتعافون من هذا الإجراء إن خضعوا له (20).

الحل في تحقيق المناعة الجماعية والعلاج المجتمعي لكبار السن

إن السبيل الطبي الوحيد لانتهاء تفشي الكورونا هو عبر المناعة الجماعية، والتي تتحقق إما طبيعياً عند تعرض نسبة كبيرة من الناس للإصابة بالفيروس ثم التعافي منه كما هو الحال مع سائر الفيروسات التنفسية، وإما اكتساباً عبر إيجاد اللقاح المناسب وتصنيعه وتصديره إلى سائر أنحاء العالم. وقد لا يكون اللقاح حلاًّ واقعياً كما يظنه الكثيرون، إذ تذهب أكثر التوقعات تفاؤلاً إلى توفره خلال سنة إلى سنة ونصف. ومن الصعوبات المناعية ما قد يحول دون تصنيع اللقاح أصلاً، انطلاقاً من مبدأ التحسين المناعي الذي يستغل به الفيروس الأجسام المضادة أو الخلايا المناعية ليزيد من حدة إصابته (21). وقد صرح د. دايفد نابارو، أستاذ الصحة العالمية في جامعة إمبيريال كولدج ومبعوث منظمة الصحة العالمية فيما يتعلق بمرض الكورونا، بأن "بعض الفيروسات تكون عصيّةً على تطوير لقاح لها. لذلك، علينا أن نتعامل مع هذا الفيروس [أي الكورونا] على أنه خطرٌ مستمرٌ في المستقبل المنظور" (22).

يُؤخذ على مؤيدي مبدأ المناعة الجماعية الطبيعية أنها لا بد من أن تزيد نسبة الإصابات بين الناس ومعها نسبة الوفيات لتحقق مرادها على المدى الطويل. ولكن الإجراءات الحالية، كما تقدم، لن تقلل من هذا الواقع بل ستؤجله وحسب. بالمقابل، إن الارتباط العمري لخطر الكورونا الاستشفائي والحياتي يسمح باعتماد هذا المبدأ للفئة الأقل خطراً (أي الأصحاء دون 65 سنة) مع إبقاء التقييدات الوقائية على الأكثر عرضة (أي كبار السن والضعفاء مناعياً). وقد أشار د. دايفد كاتز، مدير مركز البحث الوقائي في جامعة ييل، إلى هذا الإجراء باسم 'الحظر العامودي' كجزء من سياسته للحد من الضرر التام الناتج عن أزمة الكورونا – سواءً الضرر الصحي غير المباشر أو الاقتصادي أو المعيشي (23). ويصنف هذا المبدأ الناس تدريجياً بناءً على العمر والحالة الصحية: فيتراوح بين ذوي العبء المرضي الكبير ممن زاد عمرهم عن 70 سنة (وهؤلاء يخضعون لأقصى درجات الحماية والعزل من التعرض للفيروس) وبين الأصحاء ممن لا يعانون الأعراض المزمنة دون 50 سنة (وهؤلاء بإمكانهم العودة إلى أعمالهم بدون أي احترازات ضد الإصابة) (24).

كما أن محدودية العلاج الاستشفائي لمرضى الكورونا توجب التحول إلى العلاج المجتمعي، وقد أوصى بذلك ثلاثة عشر طبيباً من أحد مستشفيات برغامو الإيطالية التي شهدت إحدى أقوى ضربات الفيروس ضد الأنظمة الصحية. إذ "يحد العلاج المنزلي والعيادات المتنقلة من التنقلات غير الضرورية ويخففان الضغط عن المستشفيات. كما يمكن إيصال العلاج المبكر بالأوكسجين وأجهزة قياس الأوكسجين بالنبض والغذاء إلى منازل ذوي الإصابة الطفيفة والمتماثلين للشفاء، ما يهيئ نظام مراقبة شامل عبر العزل المناسب والاستفادة من الأدوات المبتكرة للتطبب عن بعد. تؤدي هذه المقاربة إلى حصر الاستشفاء بذوي الإصابة البالغة، مما يخفف من عدوى الفيروس ويحمي المرضى وطاقم الرعاية الصحية ويقلل من استهلاك المعدات الوقائية . . . هذا التفشي هو عبارة عن حادثة من العناية المركزة أكثر من كونه أزمة صحة عالمية إنسانية . . . وإن سياسات الإغلاق هي ذات أهمية بالغة: فقد قلل التباعد الاجتماعي تفشي الفيروس بنسبة 60٪ في الصين. إلا أن ذروة أخرى ستقع على الأرجح حين تزول التدابير لتجنب التأثير الاقتصادي الكبير. نحن بحاجة إذاً إلى نقطة مرجعية كي نفهم هذا التفشي ونكافحه. نحن بحاجة إلى خطة طويلة الأمد للوباء القادم" (25).

الخلاصة

إن مزية هذا الفيروس، أي كونه سريع التفشي، التي استُغلت لجعله في عداد الأوبئة والجائحات هي نفسها التي ستسمح بانحساره عبر اعتماد المناعة الجماعية. بل هذا هو الحال مع سائر الفيروسات التنفسية والمستوطنة التي تُهمل اليوم عمداً ليبرز خطر الكورونا بكونه "مستجداً لا نعرف القدر الكافي عنه لمواجهته". كان من المفترض أن تكون ردود الفعل على هذا الفيروس بقدر مساوٍ لخطورته المباشرة أي الصحية، أو غير المباشرة أي الاستشفائية. وكان لا بد من مراعاة الأخطار المهولة على الصعيد الاقتصادي والمعيشي التي تترتب على الإجراءات المضادة، والتي ستنعكس مآلاً على الصعيد الصحي سيما عند الأكثر عرضة لخطر الفيروس. ولكن لا يسعنا إلا أن نستنتج أن إغفال المعطيات العلمية والطبية لأزمة الكورونا واعتماد ردود فعل عبثية قصيرة الأمد يشيران إلى عدم تعلق هذه الأزمة بادعاءاتها الصحية، بل تتعداها لأبعد من ذلك.

يبقى أن يصير هذا الاستدلال واضحاً في أذهان العامة وغير ذوي الاختصاص، الذين حال خوف البعض منهم وجزعه من أن يعود إلى معاشه وعمله وحياته الاجتماعية. بل إن ذلك مما يُعوّل عليه لتسود عقلية التباعد الاجتماعي وسياسات الإقفال في العالم أجمع. مع العلم بأن تاريخ الأوبئة يشهد على كون ردود الفعل الأولية مبالغاً فيها مبنيةً على دواعي الحذر والعاطفة لا الدلائل العلمية والخطط المدروسة. ولا ننسى الدور الرئيس لمنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم تلك الردود ونشر الأفكار السائدة على نحوٍ لم تعرفه الأوبئة السابقة.

 

  • قائمة المراجع تجدونها في نسخة PDF المرفقة في أعلى الصفحة

 

البريد الإلكتروني للكاتب: saad.o.omais@gmail.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك