للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

العوامل الوراثية المساهمة في شدة مرض كورونا المستجد ... وابن القيّم

  • الكاتب : د. موزة بنت محمد الربان

    رئيسة منظمة المجتمع العلمي العربي

  • ما تقييمك؟

    • ( 4.5 / 5 )

  • الوقت

    02:00 م

  • تاريخ النشر

    11 مايو 2020

أحد أسرار COVID-19 هو سبب تطوره كمرض شديد يهدد الحياة في نسبة صغيرة من الأشخاص المصابين، في حين أن الغالبية العظمى منهم يعانون من أعراض خفيفة أو حتى لا تظهر عليهم. في الواقع، يظهر النمط نفسه في حالات العدوى الخطيرة الأخرى، بما في ذلك السل والملاريا والإنفلونزا - فقط جزء صغير من المصابين يعانون من حالات تهدد الحياة.

نشرت مجلة المراجعة السنوية لعلم الأمراض: آلية المرض، Annual Review of Pathology: Mechanisms of Disease، مقالًا قد يشرح سبب ذلك. يصف المؤلفان المشاركان جان لوران كازانوفا ولوران أبيل كيف يجب أن تتزامن العوامل المعدية والخصائص الجينية حتى تتطور الأمراض التي تهدد الحياة.

يقول المؤلفون، لأول مرة في أواخر القرن التاسع عشر تم تفسير أن وفيات البشر من الحمى كانت غالباً بسبب العدوى. ومع تقدم نظرية الجراثيم، استبدلت بها النظرية القديمة غير المثبتة بأن الوفيات من الحمى كانت بسبب ضعف بنية الشخص أو حتى العائلة. ولكن، لغزاً جديداً ومعضلة ظهرت في مطلع القرن العشرين، عندما أصبح واضحًا أن نسبة صغيرة فقط من الأفراد المصابين تموت بسبب العدوى الأولية بأي ميكروب تقريبًا.

كشفت دراسات علم الوراثة الكلاسيكية تدريجيًا أن الأمراض المعدية الشديدة يمكن أن تكون مدفوعة بالاستعداد الوراثي البشري. اكتسبت هذه الفكرة أرضية بدعم من علم الوراثة الجزيئي. في هذه المراجعة، يصف المؤلفون تطور النظرية الجينية منذ العام 1946 وحتى 2020.

فما هو الاستعداد الجيني أو الوراثي للمرض (أحيانًا يسمى أيضًا القابلية الجينية)؟ إنه زيادة احتمال للإصابة بمرض معين بناءً على التركيب الجيني للشخص. ينتج الاستعداد الجيني عن اختلافات جينية محددة غالبًا ما تكون موروثة من أحد الوالدين. تساهم هذه التغيرات الجينية في تطور المرض ولكنها لا تسببه بشكل مباشر. بعض الأشخاص الذين لديهم اختلاف وراثي يهيأ للإصابة، لن يصابوا بالمرض أبدًا بينما البعض الآخر يصاب، حتى داخل نفس العائلة.

في الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي، يمكن أن يعتمد خطر المرض على عوامل متعددة بالإضافة إلى التغيير الجيني المحدد. وتشمل هذه العوامل، عوامل وراثية أخرى بالإضافة إلى نمط الحياة والعوامل البيئية والصفات الشخصية. وتوصف الأمراض التي تسببها مجموعة من العوامل بأنها متعددة العوامل. على الرغم من أن التركيب الجيني للشخص لا يمكن تغييره، إلا أن بعض أنماط الحياة والتعديلات البيئية والنفسية قد تكون قادرة على تقليل مخاطر المرض لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي.

هذا ما جاء في ورقة علمية سوف تنشر في عدد 2021، في مجلة عالمية محكمة وفي فرع جديد من فروع العلم والطب، ولكن العجيب، وبينما كنت أقرأ في كتاب " زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن قيّم الجوزية.  وبالتحديد من فصل بعنوان: " هديه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها"، وجدت ما يلي عن الإصابة بالمرض والعدوى، بصورة عامة، وبعد أن ذكر وصايا وتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام في التحرز من العدوى.

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: " فالنبي صلى الله عليه وسلم لكمال شفقته على الأمة، ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم، ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء،  وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلة للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه، فإنها نقّالة، وقد يكون خوفها من ذلك ووهمها من أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها، فإن الوهم فعّال مستولٍ على القوى والطبائع، وقد تصل رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه، وهذا معاين في بعض الأمراض، والرائحة أحد أسباب العدوى. ومع هذا كله فلابد من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك الداء". انتهى كلامه.

  • ويظهر هنا مدى فهم ابن القيم رحمه الله، للطب والنفس وهو الذي ولد في القرن السابع الهجري، أي قبل ثمانمائة عام تقريبا، حيث يؤكد أنه لإصابة البدن بالداء لابد من وجود استعداد وتهيؤ كامن فيه لقبول هذا الداء، (الاستعداد الجيني).
  • ويقول: "وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلة للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه، فإنها نقّالة"، وهذا يعني في لغتنا اليوم (ضعف المناعة)، فالجسم ضعيف المناعة سريع التأثر والإصابة بالمرض.
  • ويضيف: "وقد يكون خوفها من ذلك ووهمها من أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها، فإن الوهم فعّال مستولٍ على القوى والطبائع"، وهو هنا يشير إلى دور العامل النفسي والوهم في الإصابة بالأمراض المختلفة، وهو ما يؤكده العلماء اليوم.
  • ويقول: "وقد تصل رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه، وهذا معاين في بعض الأمراض، والرائحة أحد أسباب العدوى". ومعلوم أن الرائحة تنتقل في الهواء وتدخل الجسم عن طريق الأنف، وهو بذلك يشير إلى أن الجو المحيط بالمريض يكون حاملاً لمسببات المرض، وأن الاقتراب منه لدرجة شم رائحته قد يكون سبباً لانتقال المرض والإصابة به. وهذا يعني انتقال المرض عبر الاستنشاق ودخول الهواء الحامل لمسببات المرض إلى الجسم الصحيح فتمرضه، أو حتى التصاق تلك المسببات بجلد وثياب الشخص السليم وتنتقل إليه العدوى.

 

إذن، وبشكل عام، يمرض البدن إذا كان لديه استعداد وراثي وجيني للإصابة بالمرض، أو عندما تكون مناعته ضعيفة لا تقوى على مقاومة المرض، أو يكون الوهم مسيطرا على الشخص، أو أنه يخالط المرضى بشكل كبير. وعليه للوقاية من الأمراض، يجب تقوية المناعة والتوكل على الله والوعي وعدم الانسياق وراء الأوهام، ثم عدم مخالطة المرضى بشكل كبير وقد يلزم لبس الكمام لمنع وصول (رائحة) المرض والمريض إلى داخل البدن الصحيح، وغسل الأيدي وكل ما يلامس المريض.

هذا ما فهمته أنا من كلام ابن القيم رحمه الله، والله أعلم.

 

المراجع


 

البريد الالكتروني للكاتب: mmr@arsco.org

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

4 التعليقات

  • أبو أسعد15 مايو, 202003:32 ص

    قصيدة شكر لا توفيك

    تلوح في سمائنا دوماً نجمة برّاقة هي دكتورة موزة الربان المحترمة، لا يخفت بريقك عنّا لحظةً واحدةً تستحقين وبكلّ فخر أن يرفع اسمك في عليائنا ونترقّب جديدك دائما

    رد على التعليق

    إرسال الغاء
  • محمد الهمداني13 مايو, 202001:31 م

    اتمنى اني يمر هذا المقال الى كل الإعلاميين العرب

    اسلوووب راقي وجميل وموضوع اجمل بكثير الله يديمك ولا يحرمنا مواضيعك

    رد على التعليق

    إرسال الغاء
  • د.طارق حمدناالله احمد12 مايو, 202004:01 م

    التاثير الجيني والمناخي لفيروسات

    فعلا الرجوع الى امهات المراجع التي وضعت في العصر الذهبي للامة الاسلامية لان العلم الحديث استقى اساسا من هذه الكتب...كما قال الشاعر ..كانت اوروبا ظلاما وشمس اندلس بالعلم تهديه... وحقيقة المقال تظهر جليا في ان بعض الدول لم ينتشر فيها الفيروس وعزت بعض الدراسات ان العامل الجيني له دور كبير ...اضافة لرأي اخر سائد وسط علماء المناخ..بان تغير المناخ العالمي كان له كبير الاثر في ظهور التحولات الجينية للكائنات الدقيقة.

    رد على التعليق

    إرسال الغاء
  • د عبدالرؤوف المناعمة12 مايو, 202001:16 م

    مقال جميل

    رحم الله علماء الأمة...لقد تركوا لنا إرثا عظيما

    رد على التعليق

    إرسال الغاء

أضف تعليقك