للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

العلاج المناعي للتغلب على العدوى الخفيفة لفيروس كورونا

  • الكاتب : أ.د. محمد لبيب سالم

    أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا – مصر

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    10:27 ص

  • تاريخ النشر

    28 مارس 2020

قدرة الجسم على التخلص من العدوى الميكروبية تعتمد على وجود رد فعل مناعي قوي ضد هذا الميكروب.  ولذلك، فمع أن علاج الفيروسات من الممكن أن يتم بعلاج كيميائي مضاد للفيروس نفسه، إلا أن العلاج المناعي بقدرته على تحفيز الجسم على محاربة الفيروس وقتل الخلايا المصابة به قبل أن تعدي جيرانها، هو الأمثل إن أمكن تصنيعه. واليوم، يتطلع العالم أجمع إلى علماء المناعة والفيروسات من أجل تصنيع لقاح كعلاج مناعي فعال ضد فيروس كورونا الجديد الذي أثار الذعر في كل مكان.

وفيروس كورونا الجديد هو أحد الفيروسات التاجية المعروفة باسم كورونا وهي عائلة كبيرة من الفيروسات التي يمكن أن تسبب أمراضاً تتراوح شدتها على نطاق واسع. وقد ظهر أول مرض حاد معروف بسبب فيروس تاجي SARS-CoV  مع وباء متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس) عام 2003 في الصين. وفي عام 2012 ظهر في المملكة العربية السعودية فيروس كورونا آخر MERS-CoV  أدّى إلى اندلاع مرض ثانٍ هو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) . وفي ديسمبر 2019 ظهر فيروس كورونا "سارس - CoV - 2  والذي يمثل سابع فيروس تاجي معروف بإصابته للبشر. ولكن على عكس MERS-CoV  و SARS-CoV ، والتي يمكن أن تسبب مرضا شديدا، فالإصابة بفيروس كورونا الجديد يُصاحب بأعراض خفيفة والتي قد تتطور إلى أعراض أشد.

وفي 31 ديسمبر من العام الماضي 2019، بلغت السلطات الصينية منظمة الصحة العالمية عن تفشي سلالة جديدة من الفيروس التاجي تسبب مرضًا شديدًا، والذي تم تسميته لاحقًا باسم سارس. CoV-2.  وحتى 17 مارس 2019، كان هناك 179111 حالة مؤكدة، و 7426 حالة وفاة مرتبطة بالفيروس التاجي الجديد، وفقًا لأرقام منظمة الصحة العالمية. وبعد وقت قصير من بدء الوباء، قام العلماء الصينيون بتحليل تسلسل جينوم السارس - CoV - 2 ونشروا البيانات لتكون متاحة للباحثين في جميع أنحاء العالم حتى يشارك علماء العالم المتخصصون في الأبحاث المعتمدة على خريطة جينوم الفيروس المتعلقة بمعرفة أصل الفيروس أو بالتشخيص أو العلاج خاصة العلاج المناعي.

والعلاج المناعي الناجح عادة ما يكون على شكل لقاح بأجسام مضادة للفيروس أو تطعيم بفيروس كامل أو بجزء منه، حيث يتم حقن الميكروب بالكامل ميتاً أو بعد إضعافه بطرق مختلفة أو بحقن أجزاء صغيرة منه سواء كان بروتين أو حامض نووي لتنشيط الجهاز المناعي بشكل غير ضار.

تتعرف الخلايا المناعية في الجسم على هذه الميكروبات الميتة كغزاة وتتعلم كيفية محاربتها.  وإذا تعرض الجسم لعدوى حقيقية لاحقة، فإنها تتعرف بسرعة وقوة على الميكروب وتحاربه وتتخلص منه حتى ولو كان مختبئاً داخل خلية. ومثال لذلك، لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) حيث يتم حقن صوراً ضعيفة من تلك الفيروسات التي لا يمكن أن تسبب عدوى كاملة.

ولا يوجد حاليا أي لقاح متاح لحماية البشر من فيروس كورونا. ولكن بدأ باحثون في تطوير لقاحات وبدأوا في اختبارها على الحيوانات والأشخاص، وإذا سارت الأمور على ما يرام فقد تكون هناك تجارب بشرية في وقت لاحق من هذا العام. ولكن حتى لو استطاع العلماء الاحتفال بتطوير لقاح قبل عام 2021، فلا تزال هناك مهمة هائلة تتمثل في القدرة على إنتاجه بكميات كبيرة. وهذا يعني، من الناحية الواقعية، أنه لن يكون جاهزًا حتى منتصف العام المقبل على الأقل. كل هذا يحدث على نطاق زمني غير مسبوق وباستخدام طرق جديدة للقاحات.

وفكرة تصنيع لقاح جديد لفيروس كورونا ممكنة حيث تم التعرف على الشفرة الوراثية للفيروس الجديد، Sars-CoV-2، ويوجد الآن مخطط كامل لبناء ذلك الفيروس. وقام بعض علماء اللقاحات برفع أجزاء صغيرة من الشفرة الوراثية للفيروس التاجي ووضعها في فيروسات أخرى غير ضارة تماما.  مجموعات أخرى من الباحثين استخدمت قطعا من الشفرة الوراثية الخام (إما DNA أو RNA اعتمادًا على النهج) والتي بمجرد حقنها في الجسم، تبدأ في إنتاج قطع من البروتينات الفيروسية التي يمكن لنظام المناعة أن يتعامل معها ويكوّن رد فعل مناعي قوي يكون جاهزا لمحاربة الفيروس الحقيقي والتخلص من الخلايا المصابة به.

ولكن تصنيع لقاح ضد فيروس كورونا يتطلب معرفة قدرة المريض على انتاج رد فعل مناعي قوي، ولذلك لا بد من دراسة طبيعة رد الفعل المناعي لدى مرضى كورونا خاصة المصابين بعدوى بسيطة ممكن الشفاء منها . وفي هذا الصدد أشارت دراسة حديثة قام بها باحثون في معهد بيتر دوهرتي للعدوى والمناعة (Peter Doherty Institute for Infection and Immunity) في أستراليا للاستجابات المناعية، أُجريت على مريض يعاني من عدوى COVID-19 ، ودلت على قدرة مناعة الجسم على مكافحة الفيروس والتعافي من العدوى.

لقد تم إجراء البحث على سيدة تبلغ من العمر 47 عاما من مدينة ووهان الصينية وهي منشأ العدوى بـمقاطعة هوبي في الصين. تم حجز السيدة في قسم الطوارئ بمستشفى مدينة ملبورن في أستراليا، قبل شفاء السيدة تماما من إصابة خفيفة بفيروس كورونا. وكانت الاستجابة المناعية القوية عبر أنواع الخلايا المختلفة مرتبطة بالشفاء السريري على غرار ما يحدث في الإنفلونزا.

بعد ثلاثة أيام من دخول المريضة للحجز، لاحظ الفريق البحثي أعداداً كبيرة من أنواع مختلفة من الخلايا المناعية، والتي غالبا ما تكون علامة على الشفاء أثناء الإصابة بالإنفلونزا الموسمية. وعليه، توقع الفريق البحثي أن تتعافى المريضة في غضون ثلاثة أيام، وهو ما حدث بالفعل. كانت المريضة موجبة للفيروس عند الكشف عنه في عينات البلعوم الأنفي والبلغم والبراز في اليوم الرابع من حجزها في المستشفى، ومرة ​​أخرى في الأيام الخامس والسادس، ثم أصبحت سالبة تماما للفيروس من اليوم السابع. تم إخراجها من المستشفى إلى المنزل (عزلة منزلية) في اليوم الحادي عشر وقد اختفت أعراضها تمامًا بحلول اليوم الثالث عشر، وظلت في حالة جيدة حتى اليوم العشرين. وقد تزامن ذلك مع الزيادات التدريجية في الأجسام المضادة IGM و IgG المضادة لفيروس  SARS-CoV-2 منذ اليوم السابع حتى اليوم 20.

وقد أظهر تصوير الأشعة للصدر وجود التهابات مزمنة في الرئتين في اليوم الخامس ثم اختفائها تماما في اليوم العاشر تزامنا مع رد الفعل المناعي . وقد خرجت المريضة من المستشفى إلى العزلة المنزلية في اليوم الحادي عشر. وتم اختفاء أعراضها تمامًا بحلول اليوم الثالث عشر، وظلت في حالة جيدة في اليوم العشرين، مع الزيادات التدريجية في الأجسام المضادة لـ IGM و IgG  المضادة SARS-CoV-2 من اليوم السابع حتى اليوم 20.

لقد لاحظ الفريق البحثي زيادة كبيرة في أعداد ووظائف الخلايا المناعية النشطة في دم السيدة ثلاثة أيام قبل الشفاء، وبقاءها مرتفعة حتى اليوم الثالث عشر بعد الشفاء من الفيروس. تؤيد هذه الدراسة أهمية بقاء الجهاز المناعي قوي للتغلب على الفيروس، ولكن نظرا لأن هذه النتائج تم قياسها على حالة تعاني من إصابة خفيفة، فليس معروف تماما ما إذا كان نفس رد الفعل المناعي يحدث لدى المرضى بالإصابات الشديدة بالفيروس، ولذلك لابد من إجراء دراسات مقارنة لرد الفعل المناعي لدى مرضى يعانون من إصابات شديدة مع مرضى يعانون من إصابات متوسطة أو منخفضة طبقا للأعراض الإكلينيكية.

وتبين مجمل نتائج الدراسة على أهمية رد الفعل المناعي في التخلص من فيروس كورونا، مما يفتح مجالا لدور التطعيمات ضد هذا الفيروس كعلاج وقائي قبل التعرض للعدوى أو كعلاج لحديثي الإصابة والذين لا تبدو عليهم أعراض قوية مثل مضاعفات فشل الجهاز التنفسي أو متلازمة الضائقة التنفسية الحادة أو الحاجة إلى علاج تكميلي بالأكسجين.

كما أظهرت هذه الدراسة ​​أدلة على أهمية وجود مجموعات الخلايا المناعية المنتجة للأجسام المضادة وكذلك الخلايا المناعية القاتلة للخلايا المصابة بالفيروس والخلايا المناعية المساعدة لكل منهما في دم المريض قبل ظهور الأعراض. كما تدل الدراسة على أهمية إجراء بعض القياسات المناعية للمرضى لمعرفة قدرتهم على التغلب على الفيروس وكذلك على إمكانية حث جسم المريض على انتاج رد فعل مناعي قوي مضاد للفيروس .

وحيث ان التقديرات الاحصائية الحالية تشير إلى أن أكثر من 80 % من حالات COVID-19 تكون خفيفة إلى معتدلة، فإن دراسات مماثلة لفهم الاستجابة المناعية في هذه الحالات الخفيفة مهم للغاية وتتطلب تعاونا محليًا ودوليًا لفهم سبب وفاة بعض الأشخاص بسبب COVID-19، وبناء المزيد من المعرفة للمساعدة في الاستجابة السريعة لـ COVID-19 والفيروسات الناشئة في المستقبل.

ومن الممكن إجراء تجارب مماثلة على مرضى مصريين بالتعاون مع الزملاء الأطباء بعد أخذ الموافقات المطلوبة من لجان أخلاقيات البحث العلمي حيث أن هناك العديد من مراكز البحث العلمي كمركز التميز لأبحاث السرطان بجامعة طنطا لديه الإمكانات البحثية لإجراء هذه القياسات.

المرجع

  • Thevarajan, I., Nguyen, T.H.O., Koutsakos, M. et al. Breadth of concomitant immune responses prior to patient recovery: a case report of non-severe COVID-19. Nat Med (2020).
  • https://doi.org/10.1038/s41591-020-0819-2
  • https://www.nature.com/articles/s41591-020-0819-2

 

البريد الإلكتروني للكاتب: Mohamed.abib@science.tanta.edu.eg

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك