للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

المجتمع العلمي والتحولات المجتمعية في الوطن العربي

  • الكاتب : أ.د عودة الجيوسي

    مستشار في التنمية المستدامة

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    02:29 ص

  • تاريخ النشر

    16 مايو 2013

الكلمات المفتاحية :

يشهد العالم العربي حالة مخاض عسير في ظل انعدام البصيرة المجتمعية للتوصل لحالة السلم المجتمعي والتصالح مع الماضي والآخر.والمؤلم أن التبعية الفكرية والسياسية ما زالت تلقي بظلالها بعد عدة عقود من زوال الاستعمار. من المفيد أن ندرك أن حالة التدافع المجتمعي تقوم أساساً على منطق العدل والعلم وما لم يتفق المجتمع على القواسم المشتركة في جو من الحرية والتسامح فلا أرى أن هناك مستقبلاً للتنمية المستدامة بكافة أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

فحتى يرى المجتمع "اللون الأبيض" المتشكل من ألوان الطيف لا بد من امتلاك الرؤية الكونية "أو المنشور" كي ندرك قيمة الوحدة ضمن التنوع. ان الأمة العلمية والمجتمع العلمي يجب أن يتولى عملية التنوير والاستبصار وتوحيد الرؤية من خلال توطين العقل والبصر والبصيرة في الخطاب العربي. ان مفهوم الاحتفال بالتنوع وأدب الاختلاف وفقه تعدد الصواب والتصالح مع الآخر والماضي هو مكون أساسي للتسامي على عثرات الحاضر. وكل هذه المفاهيم هي من صميم ثقافة المجتمع العلمي الذي ينتج المعرفة والحكمة.

هذا المخاض المجتمعي في الوطن العربي هو جزء من الدورات الحضارية وتعاقب الناس وتداول الأيام. لكن السؤال هو كيف يمكن التحول الى حالة التنمية المستدامة التي تحترم حقوق الجيل الحاضر والقادم. إن البشر هم مركز التحليل لدراسة التنمية المستدامة، لأنه إذا لم يوجد تحسن ملموس في رفاه الناس، فإنهم لن يشعروا بالدافع للقيام بأفضل ما بوسعهم. وفي غياب التنمية، يصبح استقطاب العلماء والحرفيين والعمال ورأس المال من مجتمعات أخرى (متطلبات إحداث نقلة نوعية في التنمية)، غير متيسر ومتاح.

إن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق من خلال القوى الاقتصادية وحدها، بمعزل عن القوى غير الاقتصادية والقوى الروحية، إنها تحتاج إلى دعم أخلاقي واجتماعي وسياسي. وإذا لم يتوفر هذا الدعم، فإن التنمية الاقتصادية قد لا تتحقق، وإن توفر، فإنها قد لا تكون مستدامة. ان غياب البعد العربي والتكامل في الموارد والطاقات ضمن الوطن الكبير هو أحد المعضلات الجوهرية في صياغة المشروع العربي النهضوي.

كذلك ان التنمية غير ممكنة من دون عدل بالمعنى الأكثر شمولاً للعدل في جميع جوانب الحياة الإنسانية. ويرى ابن خلدون أن العدل على درجة كبيرة من الأهمية لعمارة الأرض، لأن "الظلم مؤذن بخراب العمران". إن العدل بهذا المعنى الشامل يؤدي إلى نشوء وتعزيز "العصبية" التي ترجمت إلى "التضامن الاجتماعي" أو "الرأسمال الاجتماعي". فالعدل يعزز التكافل الاجتماعي عبر ضمان الوفاء بالالتزامات المتبادلة، والمشاركة المنصفة بثمار التنمية، و من ثمّ رفاه الجميع. وهذا يساعد على إيجاد الثقة المتبادلة والتعاون، ومن دونهما لا يمكن تعزيز تقسيم العمل والتخصص. إن انعدام العدل يميل إلى توليد السخط بين الناس، ويثبطهم و يفكك تضامنهم، ولا يؤثر تأثيراً سلبياً في دافعيتهم للعمل فحسب، بل أيضاً في فعاليتهم وحماسهم لإنشاء المشاريع اللازمة للتنمية.

إن الدور الحاسم الذي تلعبه الثقة في التنمية أصبح الآن موضع تأكيد لدى علماء الاقتصاد. و جزء من "الحكمة التقليدية" أو "الترسيخ". وقد استخدم ابن خلدون كلمة "العصبية" بالمعنى الذي يشار إليه إلى حد كبير في الوقت الراهن، بعبارة "الرأسمال الاجتماعي" أو "البنية الاجتماعية الأساسية" وعملية التنمية هي مزيج من إنتاج نخب و إنجاز أمة. ويقتضي العدل وجود بعض قواعد السلوك، التي تسمى "مؤسسات" في الاقتصاد المؤسساتي و"قيم أخلاقية" في النظرة الكونية الدينية. فهي المعايير التي يتفاعل الناس استناداً إليها، ويوفون بالتزاماتهم نحو بعضهم بعضاً. وهذه القواعد موجودة في جميع المجتمعات وتستند إلى نظرتهم الكونية التي ترتكز على الخير ومراعاة المصالح العامة. ويرى ابن خلدون أن علاقة السلطة السياسية بالحضارة مثل علاقة الشكل بالمادة فالدولة دون عمران لا تتصور، والعمران دون الدولة والملك متعذّر، ويؤكد ابن خلدون بوضوح على أن "يعود حسن المَلكة إلى الرفق".

نجد أن أهم عامل في صعود المجتمع أو سقوطه هو الإنسان نفسه. و يوضح هذا القرآن في قوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" لذا فإن نهوض البشر و سقوطهم يمكن تفسيره منطقياً من خلال تحليل دوافعهم و جهودهم و أخلاقهم و قدراتهم. ويعبر توينبي عن ذلك حين يقول: "الحضارات تموت انتحاراً لا قتلاً". لذا فإن أحد الشروط الأساسية للتنمية المستدامة هو أن تكون ثمار التنمية موزعة بالعدل على جميع أفراد المجتمع، بصرف النظر عن اللون، أو الجنس، أو العمر، أو المركز، أو الثروة، أو الدين. وتحقيق هذا الشرط مرتبط بالتنمية، وهنا يأتي دور نظرة المجتمع الكونية ومؤسساته، فإذا كانت النظرة الكونية والمؤسسات تحقق العدالة والإنصاف لجميع طبقات المجتمع، وفي الاقتصاد ونظام الحكم، لتمكين جميع الأفراد من تلبية احتياجاتهم المادية وغير المادية. وهذا سيقود الناس للعمل الجاد والفعّال، ويقود إلى المزيد من التنمية، لذا يجب أن تكون العدالة عاملاً أساساً في تحليل عوامل التنمية والانحطاط.

وإنْ استطاع بلد ما أن يحقق التنمية مع وجود الظلم، فإن هذه التنمية قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل، إذ يزداد السخط و الصراع والانقسام، ويؤول الأمر إلى الانحطاط في خاتمة المطاف. ما من مجتمع يستطيع أن يأمل في تطوير كامل قاعدته المعرفية التكنولوجية بنفسه، بل عليه الاستفادة من التطورات الحاصلة في أماكن أخرى غير أنه قد لا يتمكن من القيام بذلك إذا كان مسكوناً بعقدة التفوق. ولا يتمتع بالتسامح إزاء اختلاف الآراء، ولا يشجع المشاريع والابتكار، ولا يملك الإرادة لأن يتخلص من نقاط ضعفه عن طريق تحليل أسبابها واعتماد تدابير علاجية، ويكون مستعداً لقبول الأفكار المفيدة من ثقافات وحضارات أخرى. وأن يكون الحصول على المعرفة المفيدة والتكنولوجيا من أي مصدر، والقدرة على تطويرها لتناسب ظروفها وأهدافها واحدة من الطموحات العليا للمجتمع. لذا، فقد حث النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين قائلاً: "اطلبوا العلم ولو في الصين" وطلب العلم فريضة ولأن "الحكمة ضالّة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها" فمن دون هذا الموقف من اكتساب العلم، قد لا يتمكن المجتمع من اكتساب القوة الدافعة التي يحتاج إليها.

خلاصة القول ان الحوار القومي-الديني الذي رعاه مركز دراسات الوحدة العربية قبل ثلاثة عقود يجب أن يتم احياؤه والبناء على القواسم المشتركة للصالح العام حتى نرى "اللون الأبيض" المتشكل من ألوان الطيف وندرك قيمة الوحدة ضمن التنوع. لأن المجتمع يقوم على مفهوم "أنا لأنك أنت".

 

البريد الإلكتروني للكاتب: odjayousi@gmail.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك