للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

البروفسور فؤاد سيزكين

أحد أبرز مؤرخي التراث العلمي العربي

  • الكاتب : الصغير محمد الغربي

    صحفي علمي

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    12:51 م

  • تاريخ النشر

    03 يوليو 2018

في الثلاثين من شهر يونيو الماضي انطفأت إحدى شموع تاريخ العلوم في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية برحيل واحد من أبرز المؤرخين في العالم الإسلامي البروفيسور محمد فواد سيزكين عن عمر يناهز ثلاثة وتسعين عاماً تاركاً وراءه مؤلفات عالية القيمة تُعدّ من المراجع الأساسية في هذا المجال.

ولد الأستاذ الدكتور فؤاد سيزكين عام 1924م في شرق تركيا ثم انتقل إلى اسطنبول لدراسة الهندسة لكنه سرعان ما غير رأيه ليتجه إلى التخصص في الدراسات الإسلامية في كلية الدراسات الشرقية بجامعة إسطنبول بعد حضوره لحلقة دراسية قدمها المستشرق الألماني هلموت ريتر Hellmut Ritter الذي أصبح أستاذه فيما بعد. وعملا بنصيحة “هِلموت رِتَر” درس سيزكين أيضاً الرياضيات كما تعلم اللغة العربية جيداً إلى حد أنه أصبح من الفصل الدراسي السابع يتحدث بها مع أستاذته.

اقترح ريتر على فؤاد سيزكين، الذي كان قادراً جداً على تعلم اللغات، أن يتعلم خمس لغات في آن واحد، والبدء في تعلم لغة جديدة كل سنة. استدام سيزكين على طريقته السريعة مع تقدم سنه إلى أصبح يحذق 27 لغة من بينها العربية وبعض اللغات القديمة كالآرامية.

وأصبح فؤاد سيزكين مدرساً بجامعة اسطنبول بعد مناقشة أطروحة دكتوراه حول المصادر المكتوبة للبخاري في عام 1954 م غير أنه تم عزله مع عدد من الأكاديميين بعد الانقلاب العسكري الذي شهدته تركيا في عام 1960 ومنع من التدريس في الجامعات التركية. فاضطر الراحل إلى مواصلة متابعة التدريس والأبحاث في جامعة فرانكفورت. وفي عام 1965م ناقش رسالة دكتوراه ثانية عن جابر بن حيان في معهد تاريخ العلوم الطبيعية في جامعة فرانكفورت، وحصل بعد ذلك بسنة على لقب أستاذ.

لكن الثمار الأولى لجهود سيزكين البحثية في مجال التراث الإسلامي بدأت في عام1967 بنشر المجلد الأول من كتابه الشهير "تاريخ التراث العربيGeschichte des Arabischen Schrifttums   وهو الكتاب الأكثر شمولاً في مجاله. وقد توفي البروفسور سيزكين وهو بصدد كتابة المجلد الثامن عشر من كتابه متعدد الأجزاء وبعد إصدار 17 مجلدا منه. ويعد هذا المصنف من المراجع الأساسية للباحثين في مجال التراث العلمي العربي والإسلامي. وقد بدأت عملية ترجمة الكتاب إلى العربية في مصر عام 1977م: وتولت فيما بعد جامعة محمد بن سعود الإسلامية وجامعة الملك سعود ليصدر الكتاب على أجزاء متعاقبة بداية من عام 1982م.

وعن هذا الكتاب يقول الباحث المصري في التراث الدكتور محمد فتحي فوزي إن فؤاد سيزكين بدأ منذ عام 1947م في جمع المادة العلمية لكتابه "تاريخ التراث العربي" ليمتد به العمل في الكتاب أكثر من خمسة عشر عاما. وقد مر الكتاب بمراحل متعددة تغيرت فيها خطة المؤلف مرات من مجرد ملحق لكتاب المستشرق الألماني كارل بروكلمان (1868-1956م) "تاريخ الأدب العربي" إلى كتاب شامل لتاريخ العلوم الإسلامية المكتوبة بالعربية في إطار ما يسمح به تطور الدراسات والأبحاث المتخصصة في هذا المجال ودراسات سيزكين الخاصة للمخطوطات والمطبوعات.

ويمثل هذا الكتاب كما يقول الباحث المصري، التاريخ الثقافي للحضارة الإسلامية بما حفلت به من مؤلفات ودراسات في شتى مناحي المعرفة ليؤرخ للعلماء المسلمين ومنجزاتهم العلمية مع ترجمة كل مؤلف وبيان أسماء مؤلفاته وأماكن وجودها في مكتبات العالم المخطوط منها وأسماء ناشري المطبوع منها وبيان ما تعلق بهذه المؤلفات من شروح ومختصرات وتعقيبات وردود مرتباً ذلك ترتيباً زمنياً يورد فيه اسم الشخصية ثم أثارها على النحو المذكور. ويعرض تاريخ التراث العربي لدراسة علوم القرآن الكريم وعلم الحديث والتدوين التاريخي والفقه والعقائد والتصوف والشعر العربي واللغة العربية والنحو والبلاغة والنثر الفني والعروض والأدب والفلسفة والمنطق وعلم النفس والأخلاق والسياسة والاجتماع والطب والسيمياء والكيمياء.

    وقد سنحت لي الفرصة، بمناسبة كتابة مقالات صحفية لفائدة منظمة المجتمع العلمي العربي، الاطلاع على محتويات الترجمة العربية للكتاب (المجلد الثالث والرابع والخامس والسادس) فيما يتعلق بإسهامات الحضارة العربية الإسلامية في التطور العلمي الحديث فألفيته غزير المعلومات وكثيف المصادر بما يتيح الاطلاع على أهمها. وقد دأب البروفسور على استهلال كل مجلد بمدخل يعرض فيه أهم آراء المستشرقين حول اسهامات الحضارة العربية الإسلامية وأبرز علمائها في المجال العلمي موضوع الكتاب، ثم يشفعه بتعقيباته وملاحظاته وآرائه المستندة لمجموعة هامة من المصادر العلمية الرفيعة من مقالات وكتب لمستشرقين إضافة إلى الوثائق والمخطوطات النادرة الموزعة على أهم وأكبر المكتبات العالمية. وقد ذكرت ابنته (هلال سيزكين) وهي كاتبة وإعلامية مقيمة في ألمانيا في بيان نعيها لوالدها: أن الراحل جاب العالم العربي وإيران والهند وإيران وتركيا فضلاً عن المكتبات الغربية للاطلاع على هذه المخطوطات بنفسه ولم يكتفِ بالاعتماد على مصادر علمية وسيطة.

ولم يكن فؤاد سيزكين مجرد ناقل وجامع لمصادر علمية سابقة له، فقد صحح العديد من الآراء والاستنتاجات التي توصل إليها المستشرقون قبله ودافع عن فكرة أن العالم مدين للباحثين العرب القدامى باعتماد التجربة كوسيلة للبحث العلمي تطبق بصورة منهجية. كما دحض العديد من الافتراءات مثل تلك التي ألصقت بالكيميائي المسلم جابر بن حيان (الملقب بأبي الكيمياء) الهادفة إلى الطعن في منزلة الكيمياء الإسلامية وذلك من خلال إنكار صحة نسبة عدد ضخم من الكتب الكيميائية إلى جابر. فهو في رأي المنكرين له شخصية وهمية لم يكن لها وجود.

كما أثبت من ناحية أخرى التأثير العميق للمنجزات العلمية الإسلامية في التقنيات والعلوم الحديثة من ذلك إثباته أن خرائط العالم والخرائط الجزئية الأوروبية حتى بداية القرن الثامن عشر الميلادي ترجع إلى أصول عربية. ففي عهد الخليفة المأمون في بداية القرن التاسع الميلادي قام -على سبيل المثال - نحو سبعين جغرافيًّا برحلة استغرقت عدة سنوات جالوا خلالها مختلف أرجاء أفريقيا وأوروبا وآسيا، وأسفرت عن وضع خريطة للعالم تعتبر -بالنسبة إلى ذاك الزمان-ذات دقة عالية تثير الدهشة، يعرضها معهد فرانكفورت بعد أن حولها بطريقة فنية بارعة إلى مجسم على شكل كرة أرضية.

لكن كتب الأستاذ الدكتور فؤاد سيزكين بقيت حكرا على المتخصصين والمهتمين بالتراث العلمي العربي وبعيدة نوعا ما عن الجمهور الواسع لذلك سعى إلى تأسيس متاحف ومكتبات للغرض. ومن أهم أعماله التي ساهمت في التعريف بالإنجازات العلمية للعلماء العرب والمسلمين لدى الجمهور الواسع هو تصنيعه لنماذج من الأدوات العلمية والاختراعات استنادا إلى الوثائق المكتوبة التي قدمها سيزكين في كتبه. وهذا العمل بدأه الفيزيائي الألماني ايلهارد فيدمان Eilhard Wiedemann  في عام 1900. وتمكن إلى غاية 1928 من تقديم نماذج خمس أدوات. لكن سيزكين تمكن من تصنيع ما يقارب 1500 نموذجا من هذه الأدوات أثث بحوالي ثمانمائة قطعة منها متحف "تاريخ العلوم الإسلامية" الذي أسسه في فرانكفورت. وفي نفس المبنى يوجد من الكتب 45 ألف كتاب في مكتبة "تاريخ العلوم" التي أسسها هو بعناية على الرغم من جميع الصعوبات. تحتوي هذه المكتبة على بعض الكتب بنسخ فريدة من نوعها وهي مكتبة مرجعية.

كما أسس في اسطنبول عام 2008، متحف ثانٍ، يحتوي على ما يقرب من 700 من النماذج، ويتم عرضها في المبنى الواقع داخل حديقة الورود Gülhane Park. يعرض المتحف هذه الاختراعات والاكتشافات بصفة شاملة تظهر تطور تاريخ العلوم في تخصصات مختلفة تغطي ميادين علم الفلك، الجغرافيا، الملاحة، ضبط الوقت، الهندسة، البصريات، الطب، الكيمياء، علم المعادن، الفيزياء، الهندسة المعمارية والأدوات والتقنية العسكرية.

وتقديراً لأعماله الجليلة في خدمة التراث العلمي الإسلامي حصل فؤاد سيزكين على جائزة الملك فيصل للعلوم الإسلامية سنة 1978م، وميدالية جوته من مدينة فرانكفورت سنة 1979م، ومُنح وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من رئيس دولة ألمانيا سنة 1982م. كما حصل في عام 2001 على جائزة الاستحقاق الاتحادية لجمهورية ألمانيا الاتحادية. وفي عام 2009، رفض جائزة Hessian الثقافية الألمانية لأنه لم يكن يريد أن يتم تكريمه مع الأكاديمي الألماني سالومون كون بسبب موقفه تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2017.

رحم الله فؤاد سيزكين رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته وجعل ما قدم من علم وخدمة للحضارة الإسلامية العربية في ميزان حسناته صدقة جارية وعلم يُنتفع به. آمين.

المصادر

 

البريد الإلكتروني للكاتب: gharbis@gmail.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك