للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

اللغة مفتاح لإصلاح التعليم والبحث العلمي

  • الكاتب : صالح عبد العظيم الشاعر

    دكتوراة في النحو والصرف والعَروض / جامعة القاهرة

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    01:51 م

  • تاريخ النشر

    07 مارس 2016

لم أقتنع يوماً بمقولة إن اللغة وعاء الفكر؛ إذ الوعاء يحمل شيئًا مغايراً، أما الفكر فلا يُتصور حدوثه منعزلًا عن اللغة، لذلك طالما شغلني تساؤل: هل خلل اللغة يقتضي خلل التفكير؟ والجواب بنعم يحمل مشكلة ليست هينة في أثرها، وليست ضيقة النطاق في عدد المتأثرين سلبًا بها. يُثار بين الحين والآخر نقاش حول مستوى الدول العربية وتصنيفها بين دول العالم من حيث جودة التعليم، ومن حيث البحث العلمي، وكل المؤشرات تشير إلى مستوى يبعد كثيراً عن المستوى المنشود ولذلك فرغم أن تطوراً إيجابيًّا قد حدث خلال العقد الأخير في النشر العلمي في معظم دول العالم العربي والإسلامي، إلا أن الحالة العامة للعلوم فيها تبقى ضعيفة، كما يتبين مثلا في كون عدد الحاصلين على جائزة نوبل في العلوم قليلاً جداً، وكذلك قلة عدد الجامعات الواقعة ضمن الأربعمئة الأولى في التصنيفات العالمية، والنسبة الضئيلة من الناتج المحلي الإجمالي التي تُنفق على البحث والتطوير، والأداء السيء لطلبة المرحلة ما قبل الجامعية في الاختبارات الدولية في العلوم والرياضيات.

الضعف اللغوي وأسبابه
لهذا الضعف أسبابه المتعددة، وما أطرحه هنا للمناقشة واحد من هذه الأسباب، فالضعف اللغوي العام فاشٍ في مجتمعاتنا، والذي يصل في حده الأقصى إلى مستوى فوضى الأصوات، التي تخلط بين (ذ، ز)، أو (ث، س)، أو (ض، ظ)، على امتداد البيئات واللهجات. ولأن المؤسسات التعليمية جزء من المجتمع فقد صار الضعف اللغوي سمة التعليم في وقتنا الحالي، وقد ينتقل الطالب من مرحلة إلى أعلى منها حتى يتخرج من الجامعة وهو غير متقن لأي لغة من اللغات!

نعم، أنا أعني هذه الجملة الأخيرة، فعامياتنا في الدول العربية لغات مستقلة عن اللغة العربية، يعيبها غياب القواعد، وعدم الانضباط، والمحدودية، ولذلك تنطبع العقول بسماتها، ما لم تنخرط في دراسة لغة أخرى وتصل إلى إتقانها وضبط قواعدها. وفي حين تسعى كثير من الدول إلى اعتماد ’تعليم ثنائي اللغة‘، نتوجه نحن إلى ’تعليم عديم اللغة‘، ولذلك لا أرى غرابة في ظاهرة التعليم عن طريق ’الموسيقى والمهرجانات‘، وهي آخذة بالانتشار إن لم تُعالَج أسبابها؛ فهي نتيجة نهائية لما يُسمى ’ببغائية المعلومة‘، الناتجة عن الافتقار إلى لغة تعليمية فعالة.

ومن مُخرَجات هذا الوضع التي لا أرى غرابة فيها، أن يصل إلى المناصب القضائية وإلى مجلس النواب أناس غير مؤهلين لغويًّا، في حين أن التعامل اللغوي الصحيح مع القوانين والتشريعات ذو أهمية قصوى، بل إنه لا يمكن لفاقد اللغة العربية أصلا (لغة البلاد الرسمية) أن يتعامل مع القوانين وضعًا ونقدًا وتعديلًا، وها نحن في انتظار النتائج الكارثية القادمة.

مشكلة ذات وجهين
وجدت دراسة (مارتنسون وآخرون، ٢٠١٢) أن "مراكز اللغة في المخ تنمو فعليًّا نتيجة التعلُّم الناجح للغة. وكلما كان تعلمك أفضل زاد نمو هذه المناطق الحيوية من المخ"، ومعنى ذلك أن زيادة القدرة اللغوية مؤثر إيجابي على القدرات والمهارات الفكرية والعقلية، كالفهم والاستنباط، والربط والتحليل، وحل المشكلات. باختصار نحن الآن أمام واقع لغوي يحمل مشكلة ذات وجهين: أحدهما إهمالنا اللغة العربية، التي أرى التعليم بها ’منفردة‘ واجبًا في مستويات الدراسة الدنيا، والثاني تقصير نحو اللغة التي تسيطر على غالب البحوث العلمية الحديثة حول العالم، وهي اللغة الإنجليزية.

وكما هي المشكلة ذات وجهين، فإن حلها أيضا على مرحلتين، فالاهتمام بتعليم اللغة العربية في المراحل الأولى من الدراسة، وأعني بذلك المرحلتين الابتدائية والإعدادية (المتوسطة)، وتطوير مناهجها لتقوم على إتقان المهارات اللغوية الأربع: القراءة والكتابة والتحدث والاستماع، وتنقيتها مما لا يخدم مباشرة هذه المهارات. فبطبيعة الحال من العجز والسطحية أن تقدم لطفل عمره عشر سنوات مصطلحات النحو المنطقية، وتشغله بما له محل من الإعراب وما ليس له محل، في حين تتركه غير قادر على التحدث السليم، ولا تهتم بقياس وتقويم مدى إتقانه لمهارة الاستماع، وأي لغة في الدنيا يكتفي أهلها منها بكتابة وقراءة؟

وذلك جزء من مشكلات أخرى، كمشكلة التسرب من التعليم، وعدم كفاية التأهيل لمعلمي الصفوف الأولى، وافتقارهم إلى المزايا المحفزة لهم على مهمة تأسيس الطلاب. ينبغي أيضاً إعادة النظر في المناهج الدراسية، وإبقائها على خط واحد مع أحدث المستجدات العلمية، مع الحرص على تعريبها بإتقان، لتكون الجرعة العلمية الأولى للطلاب بلغة عربية ميسورة لا مشقة فيها، ولا تسبب عزوفهم عن العلوم بشكل كامل كما هو ملحوظ في الوقت الحالي.

فوائد تعلم لغة ثانية، ووقته
إن تعلم لغة ثانية يحقق من الفوائد العقلية ما لا يمكن حصره؛ إذ تشير دراسة أجراها والاس لامبرت وإليزابيث بيل بجامعة «ماكجيل» في مونتريال بكندا إلى أن "ثنائيي اللغة تفوقوا على أحاديي اللغة في ١٥ اختبارًا لغويًّا وغير لغوي"، حينما قرأت هذه النتيجة ذكرتني بمقولة ميرلوبونتي: "إن الفكر هو اللغة واللغة هي الفكر". وأميل إلى الرأي القائل بأنه ليس من الحكمة بدء تعلم اللغة الأجنبية في سن مبكرة، وهنا نذكر رأي عالم اللغة الإنجليزي مايكل وست (M. West)، المؤيَّد بالحجج التي منها: أن نمو الذكاء يصل إلى ذروته في سن الخامسة عشرة، وأن تعلُّم لغة ثانية عملية معقدة تمثل إرهاقًا لصغار الأطفال، بالإضافة إلى أنه قد يعرقل تقدم الطفل في لغته الأصلية، إلى غير ذلك من الأسباب التي لا يخلو كثير منها من وجاهة. فإذا انتهى الطالب من مرحلة التعليم الأساسي، ينتقل إلى مرحلة الانفتاح على لغة ثانية، وخصوصا اللغة الإنجليزية، ليكون مؤهلا للالتحاق بالجامعة والدراسة بها.

وليس صحيحا أن هذا من التأخر في تعلم لغة ثانية، وأنه قد يعوق التعلم الصحيح للغة، بل العكس هو الصحيح؛ ولذلك أصدرت بريطانيا قرارا بعدم تدريس أي لغة أجنبية في المرحلة الابتدائية. ويشير بعض الباحثين إلى أن سن البدء في تعلم اللغة الثانية ليس كبير الأثر، بل تحكمه عوامل أخرى، مثل: ”مؤهلات المعلم وكفاياته وخصائصه، والمنهج، والمصادر التعليمية، وطرق التدريس، والتحفيز، واتجاهات الطلاب، واستعدادهم العقلي، وغيرها من العوامل“. ويستند هؤلاء الباحثون إلى دراسات منهجية ”أثبتت نتائجها أن الأطفال الأكبر سنا أقدر على تعلم اللغة الأجنبية من الأطفال الأصغر سنا، فمنها دراسة أجراها سينوز Cenoz (2002) على 60 طالبًا في المرحلة الثانوية لغتهم الأم إما الباسك أو اللغة الإسبانية والباسك هي لغة المقررات فيما عدا اللغة الإسبانية والإنجليزية.

حيث درس جميع الطلاب اللغة الإنجليزية مدة ست سنوات، ولكن بدأ نصفهم دراسة اللغة الإنجليزية في الصف الثالث الابتدائي، في حين بدأ نصفهم الآخر دراستها في الصف السادس الابتدائي. وفي نهاية المدة أظهرت نتائج الاختبارات أن مستوى إتقان الأطفال الأكبر سنا للغة الإنجليزية كان أعلى من الأطفال الأصغر سناً“. ويؤيد هذا الرأي أن بعض الجامعات المرموقة تعقد اختبارات في اللغة الإنجليزية للطلاب المتقدمين للقبول، ثم تلحق الطلاب الذين لم يحصلوا على الحد الأدنى من الدرجات التي تؤهلهم للالتحاق بالجامعة ببرنامج لتنمية اللغة قبل دخول الجامعة، ومدلول هذا أن الطالب حتى وهو في بداية المرحلة الجامعية يستطيع تنمية مهاراته في اللغة الإنجليزية للانخراط في الحياة العلمية الجامعية بلا معوقات.

إن عنوان هذه المقالة ليس من التهويل في شيء، بل هي رؤية مبنية على الواقع، أرجو أن تجد مَن يعيرها اهتمامًا، لعلنا نرتفع بالتعليم والبحث العلمي نحو الأفضل.

المراجع

 

البريد الإلكتروني للكاتب: Shair2007@gmail.com

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك