مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

في اليوم العالمي للضوء 2026

الضوء وعصر الأنوار

الكاتب

د. أحمد بن حامد الغامدي

جامعة الملك سعود – الرياض / المملكة العربية السعودية

الوقت

08:49 مساءً

تاريخ النشر

15, مايو 2026

.

يتوافق اليوم السبت (16 مايو) مع اليوم العالمي للضوء، وبالرغم من الأبعاد الأدبية والفنية للضوء، وكذلك الارتباطات والآثار الدينية والفلسفية له، إلا أن (عالم الضوء) وأغلب ما يتعلق به اليوم هو مجال حكر على العلماء والمخترعين، بدلالة أن مناسبة اليوم العالمي للضوء وتوقيتها في يوم السادس عشر من شهر مايو ترتبط باختراع أهم وأبرز أجهزة الضوء: جهاز الليزر. وقبل ذلك بعدة سنوات، وبالتحديد في عام 2015م، تم تخصيص تلك السنة لتصبح السنة الدولية للضوء International Year of Light (IYL 2015)، وكان ذلك نتيجة اقتراح وطلب مقدم من قبل الجمعية الفيزيائية الأوروبية، بينما كان إسهام أهل التصوير الفوتوغرافي الضوئي أو مبدعي الأدب أو أهل الفكر في فعاليات وأنشطة وبرامج تلك السنة محدودًا.

والطريف في الأمر أنه يوجد كتاب فكري ذو طابع فلسفي ذائع للأديب والروائي الياباني تانيزاكي، تم تعريبه تحت عنوان (في مديح الظلال)، أظهر فيه احتفاء الثقافة والحضارة اليابانية القديمة بالظلام والظلال أكثر من النور الباهر.

على كل حال، في نهاية تلك السنة الضوئية كتبت مقالًا مطولًا حمل عنوانًا (قبسات من النور في ختام السنة الدولية للضوء 2015)، خصص الجزء الأكبر منه، كما هو متوقع، لاستعراض بعض أبرز وأغرب الأخبار والقصص عن مشاهير العلماء وارتباطهم بالأبحاث الضوئية، كما هو حال العالم المسلم الحسن بن الهيثم (كان اختيار عام 2015 بالذات للاحتفال بالسنة الدولية للضوء لأنه يتوافق مع مرور ألف عام منذ نشر ابن الهيثم نظريته العلمية عن الضوء)، وإسحاق نيوتن، وأينشتاين، وألبرت مايكلسون، وغوستاف كيرتشوف، وكريستيان دوبلر، وغيرهم كثير.

ومع ذلك، وبمناسبة اليوم العالمي للضوء، أود فقط أن أعيد نشر الجزء الأخير من ذلك المقال، والذي سلط بعض (الأضواء الكاشفة) على دور مشاهير المفكرين والفلاسفة والأدباء في عصر الأنوار، مع مزيد من المعلومات والأخبار عن إسهاماتهم، بشكل أو بآخر، في إجراء الأبحاث والدراسات ذات الطابع العلمي عن الضوء.

الأبحاث الضوئية في عصر التنوير

صحيح أن ارتباط عصر التنوير (أو عصر الأنوار) بالضوء واضح لكل ذي عينين، بدلالة المسمى اللغوي لهذه الحركة الفلسفية والفكرية والثقافية، وحتى العلمية، ولكن الذي يخفى أن عددًا من أشهر رموز عصر التنوير كانت لهم ارتباطات وتجارب علمية حقيقية بمجال أبحاث علم الضوء. من ذلك مثلًا أن الأديب الألماني الكبير يوهان غوتيه، بالإضافة إلى أبحاثه العلمية المتنوعة في علم الجيولوجيا وعلم النبات وعلم التشريح، واهتماماته بعلم الكيمياء وعلم الفيزياء، نجده عندما نشر في عام 1810م، وهو في عمر الستين تقريبًا، كتابه العلمي عن دراسة الضوء، والذي سماه (نظرية في الألوان)، كان يعتقد أنه بسبب هذا الكتاب العلمي سوف تتذكره الأجيال القادمة، وليس بسبب إنتاجه الأدبي. وكما هو متوقع، لم يكن غوتيه عالمًا بالمعنى الحقيقي، ولهذا كانت (نظرية غوتيه عن الألوان) خاطئة من الناحية العلمية، ولذلك نسيت الأجيال القادمة تمامًا هذه الجوانب العلمية من حياة غوتيه، ولم يخلد التاريخ له إلا إنتاجه الأدبي.

مشكلة غوتيه في نظرية الألوان أنه عارض وناقض نظرية عملاق العلوم إسحاق نيوتن عن الألوان، التي نشرها في حدود عام 1704م، والتي أشار فيها إلى أن الضوء الأبيض هو عبارة عن مزيج من جميع ألوان الطيف، وليس مجرد ضوء نقي أو شفاف. في حين أن غوتيه زعم أن الألوان تظهر نتيجة التداخل والاستقطاب بين الضوء والظلام؛ فمثلًا اللون الأزرق ينشأ من إضعاف الضوء بواسطة الظلام، في حين أن اللون الأصفر ينشأ من إضعاف الظلام بواسطة الضوء. والطريف في الأمر أن اهتمام غوتيه بتأثير (الظلام) استمر معه حتى آخر لحظة في حياته؛ فيزعم البعض أنه قبل أن يموت كانت الإضاءة ضعيفة في غرفة نومه، ولهذا طلب أن تُفتح النوافذ، ولذا كانت آخر كلماته قبل الوفاة: (مزيدًا من الضوء Mehr Licht).

بقي أن نقول إن نظرية نيوتن عن الألوان نشرها في كتابه العلمي المعروف (البصريات Opticks)، وعنوان هذا الكتاب يقودنا للحديث عن الفيلسوف الفرنسي البارز رينيه ديكارت، المشهور بلقب أبو الفلسفة الحديثة، الذي كانت له هو الآخر اهتمامات علمية متعددة، لدرجة أنه نشر في عام 1637م كتابًا صغيرًا حمل عنوان (بصريات). والغريب ليس فقط أن فيلسوف العلوم ديكارت، صاحب الكتاب المشهور (مقال عن المنهج)، سبق نيوتن في الكتابة عن البصريات، بل سبقه كذلك في التفكير العلمي السليم في تفسير ظاهرة ألوان الطيف لقوس قزح، وأنها ناتجة عن حصول عملية انكسار الضوء refraction داخل قطرات المطر الصغيرة المعلقة في الجو. وعلى ذكر ظاهرة انكسار الضوء، تجدر الإشارة إلى أن جودة الفهم العلمي لدى ديكارت قادته كذلك لدراسة ظاهرة ضوئية وبصرية أكثر تعقيدًا، وهي عملية انحراف وحيود الضوء diffraction عند مروره في الأجسام المختلفة.

ومع ذلك، فهذا لا يعني أن ديكارت لم يقع في أخطاء علمية كما حصل مع غوتيه؛ ومن ذلك مثلًا أنه كان يعتقد أن عملية انكسار الضوء في قطرات الماء لتشكيل ألوان الطيف لقوس قزح سببها أن الألوان المختلفة ناتجة من اختلاف ميل جسيمات الضوء للدوران بسرعات مختلفة. كما أن ديكارت أخطأ كذلك خطأ فاحشًا عندما اعتقد أن الضوء ينتقل بسرعة أعلى عندما يمر في الأوساط الكثيفة مثل الماء، مقارنة بانتقاله في الأوساط الخفيفة مثل الهواء، وسبب هذا اللبس ناتج عن نظرية ديكارت بأن عملية انتقال الضوء تحصل كنوع من الضغط أو الفعل الميكانيكي الفوري الذي ينتقل عبر حيز مملوء بالمادة، وهذا خلاف الفهم العلمي الحديث بأن الضوء ينتقل على شكل موجات حتى خلال الفراغ.

وبالمناسبة، حتى مطلع القرن العشرين كان علماء الفيزياء وفلاسفة الطبيعة، على حد سواء، يعتقدون أن الضوء لا يستطيع الانتقال في الفراغ، وإنما عبر وسيط غير مرئي أو محسوس سموه (الأثير). وهذا يقودنا للحديث عن أحد أبرز فلاسفة عصر الأنوار، وهو الألماني إيمانويل كانت، والذي في بداية حياته اهتم بعلم الفلك، وقام بتوظيف رصد العلماء للضوء القادم من بعض الأجسام الفلكية، مثل السديم بين النجوم، لوضع نظرية خاصة عن كيفية نشوء المجموعة الشمسية (نظرية السديم). وما يهمنا هنا أن إيمانويل كانت نشر في أواخر عمره كتابًا علميًا وفلسفيًا بعنوان (ما بعد العمل Opus Postumum)، وفيه ناقش كانت مادة الأثير Ether، التي كان يعتقد بأنها مادة دقيقة تملأ الفراغ، وأنها وسيلة نقل القوى الطبيعية مثل الضوء والحرارة، وأن مادة الأثير تعتبر شرطًا أساسيًا للتفاعل مع العالم المادي.

الضوء في عصر فولتير

في السابق كان لدى أهل الفكر والعلم شغف (عام) بالمعرفة، ولهذا نجد في الحضارة الإسلامية عددًا كبيرًا من العلماء الذين يبرعون في تخصصات معرفية متعددة، واستمرت هذه الظاهرة إلى عصر النهضة وبداية عصر الأنوار، حيث، كما لاحظنا، كان لعدد لا بأس به من المفكرين والكتاب، مثل غوتيه وديكارت وإيمانويل كانت، اهتمامات ومساهمات علمية وتجريبية بالإضافة إلى إنتاجهم الأدبي والفلسفي، وكأنهم بذلك يحققون الشعار الذي أبرزه ونشره إيمانويل كانت: (تجرأ على المعرفة Dare to Know).

ومع ذلك، ففي بعض الأحيان قد تحتاج عملية طلب المعرفة العلمية بالذات إلى شيء من التحفيز والتنشيط؛ ومن ذلك مثلًا أن الشاب إيمانويل كانت انجذب أكثر لمجال العلوم عندما شاهد إعلانًا لأكاديمية العلوم الألمانية في برلين يدعو الباحثين والعلماء للمشاركة في مسابقة علمية لمحاولة دراسة وفهم مشكلة عدم الانتظام في دوران الأرض، وهنا شارك الشاب إيمانويل كانت واقترح أن جاذبية القمر تسبب إبطاء سرعة دوران الأرض حول نفسها.

وفي ذات السياق والنسق، فيما يتعلق بتحفيز الشباب للمشاركة في الدراسات والأبحاث العلمية، نجد أن الشاب الفرنسي فرانسوا أوريه (المشهور لنا جميعًا باسمه المستعار: فولتير) يشاهد هو الآخر إعلانًا لأكاديمية باريس للعلوم يدعو الباحثين والعلماء للمشاركة في مسابقة علمية لمحاولة دراسة وفهم (طبيعة النار). ولهذا قام فولتير في عام 1738م، وفي سعيه للفوز بالجائزة المالية لأفضل مقالة علمية تناقش طبيعة النار ومصدر الضوء، بالتعاون مع عشيقته المرأة الأرستقراطية إيملي دو شاتلييه، بإجراء عدد من التجارب الكيميائية لإشعال وحرق مواد مختلفة وقياس وزنها قبل وبعد عملية الاحتراق، وهذا يذكرنا بعالم الكيمياء الفرنسي لافوازييه وطريقة اكتشافه لعنصر الأوكسجين.

في الواقع، كان هدف فولتير من تلك التجارب الإجابة عن السؤال المنطقي: هل للنار وزن أم لا؟ وفي نهاية هذه التجارب العلمية التي تمت في قصر السيدة دو شاتلييه، كانت وجهة نظر فولتير أن النار عبارة عن شيء ذي طبيعة مادية، في حين كانت وجهة نظر السيدة دو شاتلييه أن النار ليست ذات طبيعة مادية، وأن الحرارة والضوء تجمعهما علاقة ما. وطبعًا لم يفز أي منهما بالجائزة، لكن يبدو أن نتائجهما العلمية كانت على درجة مقبولة من الجودة بحيث تم نشرها مع ثلاث مقالات فازت بالجائزة.

للوهلة الأولى يظهر أن الخبرة العلمية التي اكتسبها فولتير لها ارتباط بعلم الكيمياء ونظرية الفلوجستون التي دحضها لافوازييه، ومع ذلك كان لفولتير ارتباط هائل بعلم الفيزياء والضوء وأسطورة العلم الحديث: إسحاق نيوتن. في بداية حياته الفكرية المشاكسة اضطر فولتير للهرب من فرنسا إلى بريطانيا، وهناك تعرف على نظريات وكتب نيوتن عن البصريات والجاذبية وعلم الرياضيات. صحيح أن فولتير وعشيقته إيملي دو شاتلييه لم ينجحا في الفوز بالجائزة العلمية والمجد العلمي، ولكنهما تعاونا معًا في إدخال علوم وفلسفة نيوتن إلى الإمبراطورية الفرنسية، حيث نجد أن السيدة دو شاتلييه، قبل وفاتها بأيام قليلة، أكملت ترجمة كتاب نيوتن (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية)، والذي عرض فيه نظريته عن الجاذبية وقوانين نيوتن الثلاثة للحركة. في حين نجد أن فولتير، من شدة عشقه وإعجابه بعملاق العلوم نيوتن، ألّف كتابًا خاصًا عن علوم نيوتن سماه (عناصر فلسفة نيوتن)، بينما في كتابه الآخر المسمى (الرسائل الإنجليزية) نجد أن العديد من فصوله تتعلق بأفكار نيوتن حول الجاذبية وعلم البصريات.

ونختم بالعودة إلى عنوان مقال اليوم (الضوء في عصر الأنوار). فهذا المفكر والأديب الذي يعتبر فخر فرنسا، وأعني بذلك فولتير، نجد أن المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابه (قصة الحضارة) يقوم بتسمية القرن الثامن عشر بعصر فولتير (Age of Voltaire)، وهي نفس الفترة التي شهدت بداية (عصر الأنوار).
وبقي في خاتمة المقال أن نسلط (الضوء) على العلاقة بين فولتير وفيزياء الضوء؛ فكما سبق وأن أشرنا، كان للفيلسوف والمفكر الفرنسي رينيه ديكارت تصور علمي عن الضوء وظاهرة حيود الضوء يختلف عن أفكار نيوتن في علم البصريات.

وبسبب طغيان المنهج الديكارتي والفلسفة الديكارتية Cartesianism، تأخر قبول علماء فرنسا لأفكار نيوتن حول طبيعة الضوء، حتى قام فولتير بترجمة أفكار وكتب نيوتن من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية. وهنا، ومع الزمن، تقبل أغلب العلماء في فرنسا نظرية نيوتن حول الضوء، وأنه مكون من جسيمات متناهية الصغر (corpuscular)، خلافًا لنظرية ديكارت بأن الضوء يتصرف أشبه بسائل داخل دوامة.

ومن خلال كتاب (عناصر فلسفة نيوتن) الذي قام بتأليفه فولتير، تعرف القارئ الفرنسي على نظريات وتجارب نيوتن في علم البصريات، مثل تفسير ظواهر انكسار الضوء، وكذلك حيود وانحراف الأشعة الضوئية، واستخدام المرايا في تصنيع التلسكوبات العاكسة، والتي تعرف باسم تلسكوبات نيوتن.

.

تواصل مع الكاتب: ahalgamdy@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons