.
لم يعد التلوث البلاستيكي مشكلة بيئية تقتصر على البحار والمحيطات، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى تهديد صحي عالمي يتسلل بصمت إلى الغذاء الذي يستهلكه الإنسان يوميًا. فالدراسات الحديثة تكشف بصورة متزايدة عن وجود جسيمات البلاستيك الدقيقة والنانوية في المياه والأغذية والهواء وحتى داخل أعضاء جسم الإنسان، في تطور علمي أثار قلق المؤسسات الصحية والباحثين حول العالم.
وتُعرف جسيمات البلاستيك الدقيقة أو “الميكروبلاستيك” بأنها جزيئات يقل حجمها عن خمسة مليمترات، تنتج عن تحلل المخلفات البلاستيكية أو من الصناعات الكيميائية ومواد التغليف والمنسوجات الصناعية ومستحضرات التجميل. أما الجسيمات البلاستيكية النانوية فهي أصغر بكثير، ما يمنحها قدرة أكبر على اختراق الخلايا والأنسجة الحيوية داخل الجسم.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن العالم ينتج أكثر من 400 مليون طن من البلاستيك سنويًا، بينما ينتهي جزء كبير منه في البيئة الطبيعية، حيث يتحلل تدريجيًا إلى جسيمات دقيقة تنتقل إلى التربة والمياه والسلسلة الغذائية.
وفي العالم العربي، بدأت الدراسات الحديثة تكشف حجم المشكلة بشكل أكثر وضوحًا. فقد رصدت دراسة علمية حديثة في السعودية وجود جسيمات بلاستيكية دقيقة في عدد كبير من المنتجات الغذائية والمشروبات المتداولة في الأسواق، شملت المياه المعبأة والعسل والسكر والملح والشاي والمشروبات الغازية والأسماك والأطعمة المعلبة. وأظهرت التحاليل أن أكثر أنواع البلاستيك انتشارًا كانت البولي بروبلين والبولي إيثيلين والبولي فينيل كلورايد، وهي مواد تُستخدم بكثرة في الصناعات البلاستيكية ومواد التعبئة والتغليف.
كما أظهرت دراسات أخرى في دول عربية مختلفة وجود تلوث ميكروبلاستيكي في الأسماك البحرية ومياه الشرب وحتى بعض المنتجات الزراعية، ما يعكس اتساع نطاق انتشار هذه الجسيمات في البيئة الغذائية العربية.
ولم يعد القلق مقتصرًا على الأغذية البحرية فقط، إذ أكدت أبحاث حديثة أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة أصبحت موجودة في الأرز والخضروات والفواكه والعسل والملح ومياه الشرب. كما توصلت دراسة حديثة إلى أن النباتات قادرة على امتصاص الجسيمات البلاستيكية النانوية من التربة عبر الجذور، ثم نقلها إلى الأجزاء التي يستهلكها الإنسان، وهو ما يفتح بابًا جديدًا من المخاوف المتعلقة بسلامة الغذاء.
ويؤكد العلماء أن الخطر لا يكمن فقط في الجسيمات البلاستيكية نفسها، بل أيضًا في قدرتها على حمل مواد كيميائية سامة ومعادن ثقيلة ومركبات عضوية خطرة. كما تعمل هذه الجسيمات كوسيط لنقل الملوثات والميكروبات داخل الجسم، مما قد يزيد من تأثيراتها الصحية المحتملة.
وقد ربطت دراسات علمية حديثة التعرض المزمن للبلاستيك الدقيق بحدوث الالتهابات والإجهاد التأكسدي واضطرابات الجهاز المناعي، إضافة إلى احتمالية تأثيره في الجهاز العصبي والهرمونات والخصوبة ووظائف القلب والأوعية الدموية. كما تشير أبحاث متزايدة إلى إمكانية عبور بعض الجسيمات البلاستيكية للحواجز الحيوية داخل الجسم، بما في ذلك الحاجز الدموي الدماغي.
وفي واحدة من أكثر الدراسات إثارة للقلق، تمكن باحثون من رصد تراكمات من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة داخل أنسجة الدماغ البشري، مع تسجيل مستويات أعلى لدى بعض المصابين بالخرف، مما أثار تساؤلات علمية خطيرة حول التأثيرات العصبية المحتملة لهذه الجسيمات على المدى الطويل.
كما وجدت دراسات أخرى آثارًا للبلاستيك الدقيق في الرئة والكبد والدم والمشيمة البشرية، ما يؤكد أن التعرض لهذه الملوثات أصبح واسع الانتشار إلى درجة يصعب تجنبها بالكامل في الحياة اليومية.
وتُعد العبوات البلاستيكية ومواد تغليف الأغذية من أهم مصادر انتقال الجسيمات الدقيقة إلى الطعام، خاصة عند تعريضها للحرارة أو الاستخدام المتكرر أو تخزين الأغذية لفترات طويلة داخلها. كما أن تسخين الطعام في الأوعية البلاستيكية داخل أفران الميكروويف يزيد من احتمالية انتقال كميات أكبر من الجسيمات الدقيقة إلى الغذاء.
ويرى الباحثون أن العالم يواجه تحديًا بيئيًا وصحيًا متفاقمًا، خصوصًا مع استمرار الارتفاع الكبير في إنتاج البلاستيك عالميًا وضعف أنظمة إدارة النفايات وإعادة التدوير في العديد من الدول. ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى زيادة تراكم الجسيمات البلاستيكية في البيئة والغذاء والإنسان خلال العقود المقبلة.
ويؤكد العلماء أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تشديد الرقابة على الصناعات الغذائية ومواد التعبئة والتغليف، وتطوير بدائل آمنة ومستدامة للبلاستيك، إلى جانب دعم الأبحاث العلمية المتعلقة بالتأثيرات الصحية طويلة المدى لهذه الجسيمات.
كما يدعو المختصون إلى رفع الوعي المجتمعي بمخاطر الاستخدام المفرط للبلاستيك، وتشجيع تقليل استهلاك المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، والاعتماد على البدائل الزجاجية أو المعدنية كلما أمكن.

وتكشف هذه الدراسات الحديثة أن التلوث الغذائي بالبلاستيك لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح تحديًا صحيًا عالميًا يمس سلامة الغذاء وصحة الإنسان بصورة مباشرة، في وقت يسعى فيه العلماء لفهم التأثيرات الحقيقية طويلة الأمد لهذه الجسيمات التي أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية دون أن نشعر.
.
المراجع والدراسات
– دراسة حول انتشار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الغذاء والمشروبات بالسعودية
– مراجعة علمية حديثة حول التلوث الغذائي بالبلاستيك الدقيق وتأثيراته الصحية
– دراسة عن التأثيرات الصحية للبلاستيك الدقيق والإجهاد التأكسدي والالتهابات
– تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة حول التلوث البلاستيكي العالمي
– دراسة حول انتقال الجسيمات البلاستيكية من العبوات إلى الأغذية
.
تواصل مع الكاتب: drsamirabdulhamid@gmail.com