.
حوار مع الدكتور عادل صالحي، الأستاذ بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان المغرب ومدير شبكة المناخ والبيئة في اتحاد الجامعات المتوسطية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من عاصفة دانيال التي ألحقت بمدينة درنة في سبتمبر 2023 أسوأ كارثة في تاريخها، مخلفة أكثر من 4300 قتيل، إلى فيضانات تونس والمغرب في بداية هذا العام، مرورًا بفيضانات فالنسيا في إسبانيا في أكتوبر 2024. في السنوات الأخيرة، شهد المتوسط عددًا من الأحداث المناخية المتطرفة التي أصبحت أكثر تواترًا وحدةً في المناطق المحيطة بحوض المتوسط المعروف بهدوئه وطقسه المعتدل.
الدكتور عادل صالحي، الأستاذ بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان المغربية ومدير شبكة المناخ والبيئة في اتحاد الجامعات المتوسطية، يحلل في هذا الحوار العوامل الكامنة وراء هذه التغيرات السريعة.
سؤال: في البداية، ولفهم هذه التغيرات، ما الذي يجب معرفته حول كيفية تشكل عواصف المتوسط وما أهم العوامل التي تساهم في ذلك؟
الجواب: منذ ثمانينيات القرن الماضي، ارتفعت حرارة منطقة البحر المتوسط بأكثر من درجتين مئويتين في المعدل السنوي. هذا الرقم يخفي حقيقة أعمق: فالفوارق الحرارية أصبحت أشد تطرفًا، بحيث لم يعد الصيف وفصول الانتقال (الخريف والربيع) أدفأ بدرجتين فقط، بل أصبح يشهد موجات حرارية بحرية تتجاوز المعدل بخمس إلى سبع درجات، بينما صار الشتاء أكثر برودة في بعض السنوات، لكن الغلبة في المجمل للسخونة. هذا الاحترار المتسارع للبحر المتوسط جعل منه مضخة بخار هائلة تعمل على مدار الساعة، حتى الليالي لم تعد تُبرِّد كما كانت سابقًا، بل صارت حرارة الليل ترتفع بدورها، بما يجعل البحر يستمر في ضخ الرطوبة في الجو حتى ساعات الفجر دون توقف.
القانون الفيزيائي هنا بسيط لكنه قاسٍ: لكل درجة مئوية ترتفع بها حرارة الهواء، تزداد قدرته على حمل بخار الماء بنحو 7%. وارتفاع حرارة المتوسط بدرجتين في المعدل، أو بخمس إلى سبع درجات في الموجات الحارة، يعني أن الغلاف الجوي فوقه أصبح يحمل رطوبة أكثر بنحو 35 إلى 50%. تخيل خزانًا يتضاعف حجمه فجأة، ثم يفرغ حمولته مرة واحدة فوق منطقة محدودة. هذه ليست استعارة أدبية، بل وصف دقيق لما يحدث فيزيائيًا.
لكن الحرارة وحدها لا تصنع العاصفة. العنصر الثاني في هذه المعادلة يأتي من السماء العليا، على ارتفاع يتجاوز عشرة كيلومترات فوق سطح البحر. هناك، يجري التيار النفاث القطبي، وهو نهر هوائي سريع يفصل بين الكتل الهوائية القطبية الباردة والمدارية الدافئة، ويدور حول الكرة الأرضية من الغرب إلى الشرق. في الأوضاع العادية، يظل هذا التيار مستقرًا نسبيًا، لكن أحيانًا، بفعل اضطرابات معقدة في ديناميكيات الغلاف الجوي، ينفصل جزء من كتلة هوائية قطبية شديدة البرودة عن التيار الأم، ويهبط نحو الجنوب فوق المتوسط الدافئ. هذا الانفصال هو ما نسميه بالمنخفض المعزول في المستويات العليا، أو “دانا” بالمصطلح الإسباني الذي ذاع صيته مؤخرًا. التباين الحراري الشاسع بينهما يخلق اضطرابًا عنيفًا.
عندما يلتقي الهواء البارد في الطبقات العليا بالهواء الدافئ الرطب المتصاعد من البحر، تبدأ حلقة عنيفة من التكاثف والتبخر المتسلسل. الهواء الرطب الدافئ يصعد بسرعة فائقة، فيبرد تدريجيًا كلما ارتفع، وعندما يصل إلى نقطة الندى، يتكاثف بخار الماء محررًا طاقة حرارية كامنة هائلة. هذه الطاقة المحررة تدفع المزيد من الهواء للصعود، فيتكاثف المزيد من البخار، فيحرر المزيد من الطاقة، في دورة ذاتية التغذية لا تتوقف.
لكن ما يجعل المنخفض المعزول خطيرًا هو أنه شبه ساكن، على عكس العواصف العابرة التي تتحرك بسرعة عشرات الكيلومترات في الساعة، حيث يظل المنخفض المعزول عالقًا فوق منطقة محددة لساعات أو حتى أيام، يفرغ حمولته من المطر دون توقف. الفرق بينه وبين عاصفة عابرة كالفرق بين صنبور يقطر وخرطوم مياه مفتوح بالكامل فوق نفس البقعة طوال يوم كامل. في فالنسيا في أكتوبر 2024، تهاطلت 711 ملم في 24 ساعة فقط، بينما سجلت درنة في سبتمبر 2023، 350 ملم في نفس المدة، ما يتجاوز كميات الهطول السنوي العادي.
لكن القصة لا تنتهي في السماء، فالجغرافيا تلعب دورًا حاسمًا في تحويل العاصفة إلى كارثة. إن السواحل المتوسطية ليست مسطحة، بل هي سلاسل جبلية قريبة من الشواطئ تعمل كجدار طبيعي يجبر الرياح المحملة بالرطوبة على الصعود الإجباري. عندما تصطدم الكتل الهوائية الرطبة القادمة من البحر بهذه الجبال، تضطر للصعود بسرعة أكبر، فيتكثف البخار بمعدلات أعلى، وتتضاعف كمية الهطول. هذا ما يفسر لماذا تتركز الكوارث غالبًا في المناطق الساحلية الجبلية: من طنجة إلى تونس، ومن درنة إلى بيروت.
الخلاصة أن عواصف المتوسط تولد من معادلة ثلاثية: بحر دافئ يضخ رطوبة هائلة، وهواء قطبي بارد ينفصل عن التيار النفاث ويهبط جنوبًا (المنخفض المعزول)، وجغرافيا جبلية تضاعف الهطول عبر الصعود الإجباري.
سؤال: يقول الخبراء إن التغيرات المناخية تزيد من قوة الأعاصير وتواترها، هل هذا ينطبق أيضًا على عواصف المتوسط؟
الجواب: قبل الإجابة على هذا السؤال، علينا تصحيح مفهوم شائع: عواصف المتوسط ليست أعاصير مدارية. الفرق بينهما ليس لغويًا فقط، بل يمس جوهر الآلية الفيزيائية التي تحرك كلًّا منهما.
الأعاصير المدارية، كالتي تضرب الكاريبي أو جنوب شرق آسيا، هي محركات حرارية صرفة، تتغذى على المياه الدافئة بشكل مطلق (فوق 26 درجة مئوية)، وكلما ارتفعت الحرارة، زادت قوتها بشكل شبه خطي ومباشر. العلاقة هنا بسيطة نسبيًا: حرارة أعلى تساوي طاقة أكبر، وبالتالي إعصارًا أقوى.
أما عواصف المتوسط، فهي أعقد بكثير. لا تعتمد على الحرارة المطلقة فقط، بل على التباين الحراري الذي تحدثنا عنه. إنها مثل محرك يعمل بفارق الضغط، لا بالضغط المطلق. وهذا الفارق الجوهري يجعل تأثير التغير المناخي عليها أكثر تعقيدًا وغموضًا.
ولكن المفارقة المناخية تجعلنا نعتقد أن الأعاصير ستصير أقل عددًا وأشد عنفًا. فالدراسات الحديثة تتوقع تراجع عدد المنخفضات الشديدة بنسبة 34 إلى 39% بحلول نهاية القرن، في مقابل زيادة الهطول الأقصى المرافق لها بنحو 19%. هذا التحول من الكثرة المعتدلة إلى القلة المدمرة يغير جذريًا طبيعة الخطر. لم نعد نتعامل مع ظاهرة موسمية متوقعة يمكن استيعابها ضمن خطط التصدي الحالية، بل مع أحداث نادرة لكنها كارثية حيثما وقعت.
هذا التحول له انعكاسات عملية خطيرة على الاستعداد والتخطيط. في الماضي، كان المنطق السائد يتأسس على عواصف كل سنة أو سنتين، لذا نبني بنية تحتية تستوعب المعدل السنوي. هذا المنطق لم يعد صالحًا. المستقبل يقول إن خمس سنوات أو أكثر قد تمر دون عاصفة كبرى، لكن حين تأتي، ستكون كارثية. هذا يفرض أسلوب استعداد يخضع لأسوأ السيناريوهات بدلًا من التعامل مع المعدلات. تخيل الفرق بين مدينة تستقبل عشر عواصف متوسطة القوة كل عقد، وأخرى تستقبل عاصفة واحدة لكنها مدمرة. الأولى تتكيف تدريجيًا وتكتسب بنية تحتية ومرونة اجتماعية، بينما الثانية تفاجأ بكارثة غير متوقعة ذات خسائر ضخمة وتأثيرات عميقة على البنى الاقتصادية والنفسية وعلى استقرار المجتمع.
سؤال: من درنة إلى برشلونة وتونس والمغرب مؤخرًا، لماذا أصبحت عواصف المتوسط أكثر تدميرًا؟
الجواب: لنفهم لماذا تتحول عواصف اليوم إلى كوارث مدمرة، بينما كانت عواصف مشابهة في الماضي تمر بأضرار محدودة، علينا أن نركز ليس على السماء، بل على الأرض التي تستقبل المطر. في الستينيات والسبعينيات، كانت عواصف مشابهة تضرب سواحل المتوسط دون أن تخلف هذا الدمار الجسيم، ليس لأن المطر كان أقل (فقد دُوِّنت السجلات التاريخية أحداث هطول مماثلة)، بل لأن الأرض كانت قادرة على امتصاص الماء بفعالية أكبر. تخيل الفارق بين سكب كوب ماء على إسفنجة وسكبه على زجاج أملس. نفس الكمية، لكن النتيجة مختلفة كليًا.
سواحل المتوسط تحولت خلال عقود من إسفنجة إلى زجاج، وأكثر من 15% من الأراضي ذات القابلية العالية للهطول في شمال أفريقيا انتقلت إلى نطاق الخطر المتوسط والعالي للفيضانات. هذا ليس بسبب زيادة المطر فقط، بل بسبب فقدان الأرض قدرتها على التعامل معه. الغطاء النباتي (الطبقة الحية التي كانت تمسك بالتربة وتبطئ الجريان) تآكل بمعدلات مقلقة. حتى المناطق الجبلية التي كانت تكتسي بغابات كثيفة فقدت غطاءها بفعل الرعي الجائر والحرائق المتكررة والقطع العشوائي. التربة نفسها تدهورت، ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نحو 40 إلى 70% من الأراضي تعاني من درجات متفاوتة من التدهور، مع تعرض 45% من المساحات الزراعية للملوحة والاستنزاف والتعرية. هذا يعني أن التربة فقدت بنيتها المسامية، وأصبحت مضغوطة وفقيرة من المادة العضوية التي كانت تمتص الماء. نتيجة لذلك، التربة المتدهورة لا تؤدي مهام امتصاص الماء بفعالية، بل تنجرف بشدة مع هطول الأمطار الغزيرة لتتحول الفيضانات من سيول مائية صافية إلى أنهار طينية ثقيلة تحمل طاقة تدميرية أكبر بكثير. في درنة، لم يكن الماء وحده المدمر، بل الحمولة الرسوبية الهائلة التي اكتسحت المدينة ضاعفت قوة الفيضان وأعاقت تصريف المياه، مطيلة أمد الكارثة.
ثم يأتي العامل الثالث، وهو الأكثر مأساوية: البناء في قلب الخطر. التوسع العمراني في العقود الأخيرة حدث بوتيرة غير مسبوقة، لكنه غالبًا ما تجاهل أبسط قواعد السلامة الهيدرولوجية. نجد أحياء بأكملها بُنيت في بطون الأودية الجافة التي تبدو آمنة معظم الوقت، لكنها تتحول إلى ممرات قاتلة حين تأتي العاصفة. والسدود التي بُنيت في السبعينيات خلقت إحساسًا زائفًا بالأمان وزوّرت الذاكرة المكانية، دافعة السكان للبناء في مناطق الخطر. الناس ظنوا أن السدود توفر حماية دائمة، فاستوطنوا مناطق كانت في السابق محظورة على البناء. والمفارقة المؤسفة هنا أن البنية التحتية التي صُممت للحماية أصبحت سلاحًا للتدمير.
لكن حتى التدهور البيئي والتوسع العشوائي لا يفسران وحدهما حجم الكارثة. العامل الحاسم كان مؤسسيًا. في درنة مثلًا، السدود كانت تعاني من شقوق منذ عقود، ولم تخضع لصيانة جدية منذ سنوات. وشأنها كفالنسيا الإسبانية، أصدرت السلطات المحلية أوامر متضاربة حول الإخلاء، وفرضت حظر تجوال حبس فعليًا الناس في طريق السيول. والنتيجة كارثة عظمى، ليس فقط بسبب العاصفة، بل بسبب الفشل المركب في الاستعداد والاستجابة. هذا النمط كشف عن نفس الفجوة بين التنبؤ والفعل رغم اختلاف أنظمة الرصد وقدرات التدخل.
وبالتالي، ما يجعل الكوارث الحديثة أشد تدميرًا ليس عاملًا واحدًا، بل منظومة متكاملة من الفشل على مستويات متعددة: مدن توسعت في مناطق الخطر دون تخطيط هيدرولوجي، وفجوة بين المعرفة العلمية والقرار السياسي، ومجتمعات لم تدرك حجم الخطر حتى فوات الأوان. هذا التفاعل المركب هو ما يحول عاصفة عادية إلى كارثة إنسانية.
سؤال: ما هي أهم العوامل البشرية التي تجعل مخاطر هذه الأعاصير عالية، خاصة على السواحل؟
الجواب: بعد أن فهمنا كيف تتشكل العواصف، وكيف يغير المناخ طبيعتها، ولماذا أصبحت أكثر تدميرًا، يبقى السؤال الأهم: لماذا نستمر في خسارة الأرواح رغم توفر المعرفة العلمية والتكنولوجيا المتقدمة؟ الجواب الواقعي هو في اعتبار الخطر قدرًا محتومًا بدل الاعتراف بكونه أخطاء متراكمة في التخطيط والإدارة والوعي.
دعونا نشرّح ذلك بدقة: في معظم المدن المتوسطية الساحلية، تغيب خرائط رسمية محينة لمناطق خطر الفيضان، حتى حين تتوفر دراسات أكاديمية تحدد هذه المناطق بدقة عبر نماذج هيدرولوجية متطورة. وإن وجدت، فنادرًا ما تُترجم إلى قرارات ملزمة في التخطيط العمراني. البناء يستمر في بطون الأودية الجافة، وعلى ضفاف الأنهار الموسمية، وفي سفوح الجبال الحادة. والتراخيص تُمنح دون تقييم هيدرولوجي جدي، والسكان يستقرون في بؤر الخطر دون أن يدركوا أنهم يعيشون في مسار السيول الطبيعي. هذا ليس استثناءً عربيًا أو متوسطيًا، بل هو نمط عالمي يتكرر حيثما تغيب خرائط الخطر من عملية التخطيط. الحل ليس تقنيًا فقط، بل سياسي قانوني يمر عبر تحديث التشريعات العمرانية لإلزام الجهات المحلية باعتماد خرائط الخطر قبل الترخيص للبناء، وإنشاء لجان دائمة لتقييم المشاريع من منظور بيئي. فحماية السكان والممتلكات يجب أن تكون شرطًا غير قابل للتفاوض، لا بندًا شكليًا في التقارير.
من جهة أخرى، شبكات الصرف الحضرية في معظم المدن صُممت لمعدلات هطول تاريخية لم تعد سارية. حين تهطل كمية مطر سنة كاملة في ساعتين (وهو ما أصبح ممكنًا ومتكررًا)، تنهار الشبكات ببساطة. البنية التحتية الرمادية (الأسمنت والأنابيب) وحدها لم تعد كافية. الحلول القائمة على الطبيعة لم تعد ترفًا بيئيًا، بل استثمارات اقتصادية واجتماعية وسياسية قابلة للقياس تعزز قدرة المدن على امتصاص الماء وتقليل سرعة الجريان، وتوفر منافع اجتماعية وبيئية متزامنة. المدن الصينية التي استثمرت في البنية الخضراء الحضرية سجلت انخفاضًا في تصريف مياه العواصف بنسبة 30 إلى 50%، وتحولت إلى مدن “إسفنجية” أكثر استدامة.
لكن حتى البنية التحتية الأفضل لا تنقذ الأرواح إذا فشلت المنظومة المؤسسية في ترجمة التنبؤ إلى فعل. كارثة فالنسيا في 2024 كشفت فشلًا مؤسسيًا صارخًا في دولة متقدمة: على الساعة 7:36 صباحًا، أصدرت هيئة الأرصاد الإسبانية تحذيرًا من “خطر شديد” من الفيضانات الخاطفة. لكن بسبب بطء استجابة الحكومة الإقليمية المسؤولة عن إرسال التنبيهات للمواطنين، لم تصل أخبار الخطر إلى الناس الأكثر عرضة للخطر حتى الساعة الثامنة مساءً، حين كان الكثيرون عائدين من العمل في سياراتهم ليواجهوا مصيرهم المحتوم. أكثر من 223 شخصًا لقوا حتفهم، و15,000 نزحوا، والخسائر المالية تجاوزت 50 مليار يورو. لم يكن ذلك بسبب فشل العلم، بل بسبب فشل القرار.

تجربة فالنسيا، رغم فداحتها، مليئة بالدروس والعبر حول الفجوات المؤسسية الحاسمة:
1- تأخير في التنبيهات: فجوة زمنية كبيرة بين إصدار التحذيرات الجوية ونشر التنبيهات لقادة المجتمعات والمواطنين.
2- ضعف التنسيق بين المستويات: الوحدة العسكرية للطوارئ التابعة للحكومة المركزية كانت جاهزة ومتمركزة في المناطق المتضررة، لكنها لم تستطع التحرك دون تفويض قانوني من الحكومة الإقليمية.
3- غياب إطار استجابة موحد: في بعض المناطق طُبقت بروتوكولات الإخلاء فورًا، بينما شهدت أخرى تأخيرات خلقت ارتباكًا وعرّضت الأرواح للخطر أكثر.
المفارقة أن السفارة اليابانية في إسبانيا، بناءً على نفس التحذير، أبلغت رعاياها قبل يوم كامل، ونصحتهم بتجنب المنطقة أو البقاء بعيدًا عن مناطق الخطر. هذا التباين الحاد يظهر أهمية قنوات الاتصال السريعة والفعالة وقيمة النموذج الياباني الذي حول مفهوم الخطر إلى عنصر ثقافي واعٍ وممارسة استباقية جماعية ومحكمة.
مع كل هذا، إذا لم يفهم المواطن كيف يتصرف، تظل الفجوة قاتلة. كثيرون يتعاملون مع التحذيرات الجوية باستخفاف أو يعجزون عن فهم معناها العملي. غياب برامج التثقيف المجتمعي وتدريبات المحاكاة يجعل الاستجابة الفردية عشوائية وخطرة. في المقابل، المجتمعات التي دُرِّبت على سيناريوهات الطوارئ ومارست تمارين الإخلاء أظهرت قدرة أعلى بكثير على الإخلاء المنظم وتقليل الخسائر البشرية. الحل إذًا يبدأ من مناهج دراسية تشرح الظواهر البيئية والاستجابة للطوارئ، وتمارين إخلاء دورية في المدارس والأحياء، وتطبيقات هواتف ذكية رسمية تصل للجميع وتوجههم خطوة بخطوة. المواطن المدرب ليس متلقيًا سلبيًا للخطر، بل فاعل في الوقاية. حين يتحول الوعي إلى سلوك يومي، تصبح المجتمعات مرنة في وجه الكوارث.
.
تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com