مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

من منطق الأرقام إلى رحابة الحضارة

من المصب إلى المنبع

كيف نتحول من مستهلكين للتقنية إلى شركاء في إنتاجها؟
الكاتب

منظمة المجتمع العلمي العربي

الوقت

02:55 مساءً

تاريخ النشر

19, أبريل 2026

.

◀ المقال 4 من 5

يستعير الدكتور محمد الخمسي صورةً من الطبيعة ليصف بها واقعنا: النهر حين يجري من منبعه إلى مصبّه قد يتلوث في الطريق،  فما يصل إلى المصبَّ ليس بالضرورة ما انطلق من المنبع‏.

وهكذا التقنية: دول المنبع تنتجها وتُشكّلها وتطرح حولها الأسئلة الكبرى. أما دول المصب فتستقبل ما يصل إليها بعد رحلة طويلة، أحياناً مُشوَّهًا، دون أن تكون شريكةً في صياغته أو توجيهه‏.

والسؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس: هل نستطيع أن نكون منبعاً؟ بل: ما الذي يمنعنا من ذلك الآن؟ وما الذي يجب أن يتغير؟‏

“في دول المنبع يطرحون الأسئلة العميقة، في المجال الأخلاقي والقيمي والحقوقي. أما في المصب فلا تزال هذه الأسئلة غائبة”

أولاً: الوعي قبل التقنية

الفارق الحقيقي بين المنبع والمصب ليس في امتلاك التكنولوجيا، بل في الوعي بها.

دول المنبع لا تكتفي بتطوير التقنية، بل تطرح إلى جانب ذلك أسئلة جوهرية: من المسؤول قانونياً حين يخطئ الروبوت؟ كيف تؤثر التقنية على مفهوم السعادة وتدبير الزمن؟ ما حدود تدخّل الذكاء الاصطناعي في الخيارات الإنسانية؟‏

هذه الأسئلة تلمس العلوم الإنسانية والقيم والأخلاق والحقوق، وهي الأسئلة التي تكاد تغيب عن خطابنا العربي في التقنية. نسأل عن «كيف نستخدم؟» ولا نسأل بما يكفي عن «لماذا؟» و«لمن؟» و«بأيّ ثمن؟»‏

والنتيجة واضحة في المقارنة التي يوردها الدكتور الخمسي: تطبيق تيك توك في الصين، في موقع المنبع، أسهم في خلق أكثر من تسعين مليون فرصة عمل‏. أما في مواقع المصب، فقد أسهمت التقنية ذاتها في تفتيت المجتمع أسريّاً وثقافيّاً ونفسيّاً. المنتَج واحد، لكن الوعي به مختلف اختلافاً جذرياً‏.

الانتقال للمنبع يبدأ إذن بتحوُّل في العقل قبل أن يكون تحوُّلاً في المختبر أو المصنع: أن نُعيد ربط التقنية بالفلسفة والقيم، وأن نجعل سؤالَي «لماذا؟» و«لمن؟» يسبقان دائماً سؤال «كيف؟»‏

في أرسكو، نرى أن بناء هذا الوعي في المجتمع العلمي العربي هو من أولى أولوياتنا، لأن التقنية بلا وعي أخلاقي وقيمي هي سلاحٌ بلا بوصلة. ولهذا نحرص على أن يكون الحوار حول التقنية حواراً حضارياً شاملاً، لا حواراً تقنياً ضيقاً‏.

ثانياً: البنية الحاضنة

لكن، الوعي وحده لا يكفي، يحتاج إلى بنية تحتضنه وتُنتجه وتُراكمه. وهذه هي المعضلة الثانية: أننا نمتلك كفاءات لامعة، وأفكاراً جديرة، وإرادات صادقة، لكنها «لم تنتظم في نسق» كما يقول الدكتور الخمسي. فتظل ومَضاتٍ فردية تلمع ثم تنطفئ‏.

البنية الحاضنة تقوم على ثلاثة أعمدة‏:

الأول: النسق المؤسسي: أي البيئة التي تمنع انطفاء الكفاءة حين تعود إلى الوطن، والتي تُحوّل النموذج الفردي اللامع إلى مؤسسة مستمرة. بدل أن نفخر بعلماء تركوا بصماتهم في الخارج دون أن نوفّر لهم شروط الاستمرار في الداخل‏.
الثاني: مراكز الأبحاث المستقلة: في دول المنبع مراكز الأبحاث تصنع القراراتِ وتُحدِّد الأولويات، وتعرف مجتمعاتها تاريخياً ونفسياً واجتماعياً. أما عندنا فهذه المراكز إما ضعيفة التمويل، أو تابعة لأجندات لا تخدم المجتمع، أو مهمَّشة في دوائر صنع القرار‏.
الثالث: إدارة مناطق التماس: كما أوضح المقال السابق، المؤسسات التي تجمع التقنيين والعلميين والعلوم الإنسانية معاً هي التي تُنتج الحلول المتكاملة. لا يمكن بناء منبع تقني حقيقي بعقول تقنية منعزلة عن سياقها الإنساني والاجتماعي‏.

ثالثاً: الرؤية الحضارية بعيدة المدى

لا يُبنى المنبع في خمس سنوات. هذه حقيقة يُكرِّرها الدكتور الخمسي بأشكال مختلفة: الصين التي نراها اليوم قوةً تقنية عالمية لم تبلغ ذلك بقرار آني، بل بتراكم إرادة وجهد على مدى عقود، انطلقت من قرار سيادي بالاحتشاد نحو هدف واضح: الانتصار على التخلف في التعليم والصحة‏. التحول من المصب إلى المنبع يتطلب أن ننظر إلى التقنية، كما ننظر إلى المياه والتعليم، باعتبارها تحدياً حضارياً يمتد إلى حوالي خمسين سنة، لا أزمةً سياسية تُحل في دورة انتخابية‏.

وهذا يقتضي مبدأ التراكم: أن نبني على ما قبلنا لا أن نهدمه، وأن نُطوّر التجارب الناجحة لتصبح مدارس ومؤسسات، لا أن نُلغيها كلما تبدَّلت الوجوه أو تغيَّرت الإدارات‏. وكما نكرر دائما في أدبيّات “أرسكو” وأهدافها، «البناء على الموجود» وتوطين العلم.

والفرق بين الاحتشاد العقلاني والاحتشاد الوهمي، كما يُسميه الدكتور الخمسي، هو الفرق بين من يسأل: «ما الممكن إنجازه بحدودنا وإمكاناتنا وأولوياتنا؟» وبين من يرفع شعارات لا يملك شروط تحقيقها. الأول يبني منبعاً، والثاني يُضيّع ما تبقّى‏.

خمسة عشر عاماً من عمل أرسكو هي في جوهرها ممارسة لهذا المبدأ: التراكم المعرفي المنهجي، وبناء المجتمع العلمي العربي لَبِنةً لَبِنة، بدلاً من انتظار قرار سياسي كبير أو مبادرة فردية تنطفئ. المنبع يُبنى هكذا، بصبر وتراكم ورؤية‏.

دعوة عملية

سؤال واحد لكلّ عضو في مجتمعنا العلمي‏:

في مجالك تحديداً.. هل أنت في موقع المنبع أم المصب؟ وما الخطوة الواحدة التي تقرّبك من المنبع؟

المنبع ليس حكراً على الدول الكبرى. كلُّ باحثٍ يطرح سؤالاً حقيقياً من واقع مجتمعه هو منبع. كلُّ مؤسسةٍ تبني بنيةً حاضنة لكفاءاتها هي منبع. كلُّ قرارٍ يُبنى على فهم عميق للسياق لا على استهلاك جاهز هو خطوة نحو المنبع‏.

───────────────

المقال الأول: الرياضيات ممرُّ الملوك
المقال الثاني: مجتمعات الأجوبة ومجتمعات الأسئلة
المقال الثالث: مناطق التماس .. حيث يُولد الإبداع

المقال القادم: شروط النهضة “التراكم والاحتشاد”

كيف تنتقل الأمة من الطاقات المتفرقة إلى النسق المتكامل؟

───────────────

مصدر هذهِ السلسلة: مستوحى من بودكاست مجتمع Mujtama
حوار مع الدكتور محمد الخمسي ‏| youtu.be/hA5Q9cgzUvo‏

.

تواصل مع الكاتب: info@arsco.org

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons