.
ارتفاع مستوى سطح البحر أثناء العواصف، أو ما يُعرف بالمدّ العاصفي، هو ارتفاع ظرفي يحدث نتيجة الأحوال الجوية المتطرفة، مثل انخفاض الضغط الجوي والرياح العنيفة. وتنشأ هذه الظاهرة بشكل أساسي عن دفع رياح العاصفة للمياه نحو الشاطئ، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، والذي يتفاوت من موقع إلى آخر بحسب اتجاه خط الساحل بالنسبة لمسار العاصفة وشدتها، بالإضافة إلى تضاريس قاع البحر المحلية.
وتُعدّ هذه الظاهرة من المخاطر الطبيعية التي تهدد المجتمعات الساحلية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك منطقة الخليج العربي.
في مقال نُشر مؤخراً في دورية “أبحاث المخاطر الطبيعية”، قدّم فريق من الباحثين التابعين لجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، بقيادة البروفيسور إبراهيم حطيط، تحليلاً شاملاً لديناميكيات ارتفاع مستوى سطح البحر في الخليج العربي نتيجة المدّ العاصفي. وقد استخدم الباحثون في هذه الدراسة أحدث تقنيات النمذجة العددية لتحليل الآليات الفيزيائية التي تحكم الارتفاعات غير الطبيعية لمستوى سطح البحر، مع توضيح أدوار مختلف العوامل الجوية المؤثرة. وأبرزت النتائج استجابة غير متماثلة للحوض للرياح السائدة، مما يوفر بيانات بالغة الأهمية للتنبؤ بالمخاطر الساحلية وحماية البنية التحتية المعرضة للخطر في هذا البحر شبه المغلق.

نظام الرياح السائد في الخليج العربي (المصدر: الدراسة)
كيف يحدث المدّ العاصفي في الخليج العربي؟
بحسب الدراسة، يُعدّ الخليج العربي حوضاً ضحلاً نسبياً، بمساحة سطحية تبلغ حوالي 239 ألف كيلومتر مربع، وعمق متوسط لا يتجاوز 36 متراً، وهي سمة تجعله شديد التأثر بالعوامل الجوية البحرية. وتُهيمن على هذا الحوض رياح الشمال، وهي رياح شمالية غربية تهب بسرعة تتراوح بين 7 و13 متراً في الثانية صيفاً، وتصل إلى ما بين 15 و20 متراً في الثانية شتاءً، بالإضافة إلى رياح أخرى متقطعة مثل رياح الكوس (جنوبية شرقية) ورياح السهيلي (جنوبية غربية).
ويمكن لهذه الرياح الأقل تواتراً أن تؤثر بشكل كبير على دوران المياه الساحلية، وحالة الأمواج، وارتفاع مستوى سطح البحر، لا سيما في المناطق الضحلة والقريبة من الشاطئ.
ولتحليل تأثير هذه العوامل على مستوى سطح البحر، استخدم الباحثون نموذج ADCIRC الهيدروديناميكي، وهو أداة معروفة بقدرتها على حل معادلات المياه الضحلة مع بيانات التأثيرات الجوية مثل الرياح والضغط. وقد غطّت البيانات المستخدمة في النموذج كامل منطقة الخليج العربي وخليج عُمان، وامتدت فترة المحاكاة بين عامي 1995 و2015.
كشفت النتائج التفصيلية للدراسة أن أكبر التقلبات في مستوى سطح البحر، والتي تصل إلى 0.5 متر، تحدث على فترات زمنية تمتد لعدة أيام، خاصة خلال فصل الشتاء بين شهري نوفمبر وأبريل. كما حدّد الباحثون منطقتين حرجتين لتأثير ظاهرة المدّ العاصفي: الأولى في الطرف الشمالي الغربي (الكويت، العراق، شمال المملكة العربية السعودية)، والثانية في الطرف الجنوبي الشرقي (الإمارات العربية المتحدة، قطر).
وتحدث العواصف المدّية الإيجابية في شمال الخليج بشكل أساسي بفعل رياح الكوس (الجنوبية الشرقية)، التي تهب باتجاه الساحل، متسببة في تراكم المياه (المعروف بالارتفاع) على طول الشاطئ الشمالي الغربي.
في المقابل، تُعدّ رياح الشمال (الشمالية الغربية) المسؤولة بشكل أساسي عن ارتفاعات المدّ والجزر الكبيرة في جنوب الخليج، حيث تدفع الرياح القادمة من البحر المياه نحو سواحل الإمارات وسلطنة عُمان، بينما تُولّد في الوقت نفسه انخفاضات في مستوى المياه في الشمال نتيجة تراجع المياه في عرض البحر.
ويشير الباحثون إلى ديناميكية خاصة لانخفاضات مستوى البحر في الجنوب: فعلى الرغم من أن رياح الشمال تهب نظرياً من البحر في هذه المنطقة، إلا أن استمرارها لفترات طويلة يدفع كتلة المياه في نهاية المطاف إلى الخروج من الحوض عبر مضيق هرمز، مما يؤدي إلى انخفاض عام في مستوى المياه.
ويؤكد تحليل حقول الضغط الجوي هذه الآليات، مُظهراً أن ارتفاعات المدّ الإيجابية ترتبط بأنظمة الضغط المنخفض، بينما تتزامن الانخفاضات مع أنظمة الضغط المرتفع. وتوضح هذه النتائج كيف يحدد اتجاه الرياح بالنسبة للمحور الرئيسي للحوض إشارة وقوة المدّ، مما يؤكد الفرضيات الفيزيائية المتعلقة بأهمية مسافة هبوب الرياح وعمق المياه في البحار المغلقة.

تغير مستوى سطح البحر نتيجة المدّ العاصفي: القيم السالبة (بالأزرق) والموجبة (بالبني) (المصدر: الدراسة)
مخاطر محتملة
في الشمال، تسلط الدراسة الضوء على ظاهرة غالباً ما يتم تجاهلها، وهي انخفاض مستوى سطح البحر، حيث يمكن أن ينحسر البحر بشكل كبير تحت تأثير رياح الشمال، مما يؤدي إلى انخفاض مستواه متراً واحداً عن المتوسط. وبالنسبة لمنطقة تعتمد بشكل حيوي على محطات تحلية المياه وموانئ النفط، فإن هذا الانخفاض الكبير في مستوى سطح البحر ليس بالأمر الهيّن. ويؤكد الباحثون أن «الارتفاعات الكبيرة في مستوى سطح البحر يمكن أن تكشف مآخذ المياه الصناعية وتعطل الملاحة في القنوات الضحلة».
في الطرف الآخر من الحوض، يمثل المدّ العاصفي التهديد الأكبر للبنية التحتية الحضرية. وقدّرت الدراسة أن هذه الظاهرة ترفع مستوى سطح البحر بحوالي 0.8 متر في بعض مناطق جنوب الخليج. ورغم أن هذا الرقم قد يبدو متواضعاً مقارنة بتأثير هذه الظاهرة في مناطق أخرى من العالم، التي قد تصل إلى خمسة أمتار نتيجة الأعاصير الاستوائية، فإنه يصبح بالغ الأهمية عند اقترانه بالمدّ العالي. وفي بيئة ذات تضاريس منخفضة للغاية، يمكن أن يؤدي كل سنتيمتر إضافي من مياه البحر إلى غمر كيلومترات مربعة من الأراضي.
ويشير هذا التوزيع إلى تأثير مباشر للشكل الهندسي الضيق والممتد لحوض الخليج العربي، والذي يوجّه استجابة الكتلة المائية لقوى الرياح، مما يخلق ظروفاً تسمح بدفع المياه نحو أحد طرفي الحوض شبه المغلق، متسببة في تراكمها أو انخفاضها عند الطرف الآخر.
الرياح والضغط الجوي: عوامل أساسية للمدّ العاصفي
حددت الدراسة أيضاً العوامل الفيزيائية الرئيسية المسببة لارتفاع مستوى البحر الناتج عن المدّ العاصفي ونسب مساهمتها في هذه الظاهرة. وتُظهر محاكاة الحساسية بشكل واضح أن إجهاد الرياح هو العامل المهيمن، إذ يساهم بنسبة تتراوح بين 60% و90% من ارتفاع الأمواج العاصفة، لا سيما في المناطق الساحلية الضحلة شمالاً وجنوباً. أما الضغط الجوي فلا يساهم إلا بنسبة تتراوح بين 10% و40% من الارتفاع الكلي.
ويفسر الباحثون أن التأثير البارومتري العكسي القياسي (حيث يؤدي انخفاض الضغط الجوي بمقدار هكتوباسكال واحد إلى رفع مستوى الماء بمقدار 1 سنتيمتر) يتضاءل في هذا الحوض شبه المغلق بسبب تقييد التدفق عند مضيق هرمز، مما يمنع التكيف الإيزوستاتيكي الفوري.
كما تبيّن أن التفاعل بين المدّ والجزر وارتفاع الأمواج العاصفة ذو أهمية كبيرة؛ ففي معظم أنحاء الخليج، يقلل وجود المدّ والجزر من سعة ذروات الارتفاع، ويرجع ذلك على الأرجح إلى زيادة الاحتكاك الناتج عن اختلاف عمق المياه، رغم رصد تضخيمات محلية بالقرب من دولة قطر.
ولاحظ المؤلفون أن قوة كوريوليس، الناتجة عن دوران الأرض، تلعب دوراً مهماً في تعديل العواصف البحرية على طول السواحل الجنوبية والجنوبية الشرقية للخليج، وذلك من خلال تضخيم ارتفاع الأمواج العاصفة على طول هذه السواحل. وتُعزى هذه الظاهرة إلى تراكم المياه على الساحل إلى يمين اتجاه الرياح في نصف الكرة الشمالي (المعروف بنقل إيكمان).
ويؤكد الباحثون أن الدراسة تقدم إطاراً تحليلياً دقيقاً للتنبؤ بالمخاطر البحرية في الخليج العربي، مع التشديد على أهمية دراسة أنماط الرياح، ولا سيما رياح الشمال، لتوقع الفيضانات الساحلية والانخفاضات الخطيرة في مستوى سطح البحر.
.
المراجع:
– https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2666592126000065
.
تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com
أنظمة تحلية المياه اللامركزية بالطاقة المتجددة