.
يوم غد الأحد 12 أبريل يتوافق مع مرور 65 سنة على الحدث الفريد في التاريخ البشري، عندما حلق رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين حول الأرض، وذلك بعد ظهر يوم 12 أبريل من عام 1962م. ومع أنه دار حول الأرض لمرة واحدة، إلا أن تلك الدورة الفريدة والوحيدة سببت صدمة هائلة للأمة الأمريكية، التي كانت في سباق مع الاتحاد السوفييتي نحو غزو الفضاء واكتشاف السماء. وبالفعل كان الأمريكيون يجهزون لإرسال رائد الفضاء الأمريكي آلان شيبرد لكي يحلق حول الأرض في منتصف مايو عام 1962م.
وكما خسر الأمريكيون شرف إرسال أول قمر صناعي إلى الفضاء، شعروا في ذلك اليوم بالمهانة والخطر؛ لأنهم خسروا بفارق شهر واحد فقط سباق إرسال أول إنسان إلى تخوم الفضاء، ولذلك فُرضت على الأمريكيين ساحة سباق جديدة وخطيرة، وهي إرسال أول إنسان إلى القمر. ولذا، بعد أشهر قليلة من تلك الأحداث، ألقى الرئيس الأمريكي جون كيندي خطابه في جامعة رايس الأمريكية في يوم 12 سبتمبر من عام 1962م، والذي أعلن فيه مقولته الفائقة الشهرة: (إننا نختار الذهاب إلى القمر في هذا العقد.. ليس لأنها سهلة، بل لأنها صعبة).
وبالفعل، لم تكن الرحلة والهبوط على القمر ثم العودة منه مهمة سهلة ولا عملية رخيصة، ولهذا لم تستطع أي دولة، خلاف الولايات المتحدة الأمريكية، تحمل تكاليف رحلات الوصول إلى القمر، والتي بلغت مصاريفها في (برنامج أبولو) حوالي 25 مليار دولار، والتي هي بسعر اليوم أكثر من 200 مليار دولار، كما شارك في هذا البرنامج العملاق ما يقارب 400 ألف شخص.
ومن جانب آخر، ليست فقط التكلفة المالية هي ما ثبّط وصرف الدول الأخرى عن محاولة الوصول إلى القمر، ولكن يضاف إلى ذلك أن تلك (المغامرة) كانت على درجة عالية من الخطورة، لدرجة أنه خلال التجهيز لإرسال رواد الفضاء الأمريكيين إلى القمر، تعرض ما لا يقل عن تسعة رجال فضاء للوفاة وفقدان حياتهم في مراحل مختلفة من برنامج أبولو.
ففي مطلع عام 1967م، وأثناء التجهيزات والاختبارات للمقصورة الفضائية التي سوف تحمل رواد الفضاء نحو القمر، حصل حريق داخل تلك المقصورة الخاصة بنموذج رحلة أبولو 1 (Apollo 1)، وهنا كانت المفارقة أن ثلاثة من رواد الفضاء توفوا وهم على سطح الأرض، وليسوا في الفضاء. والجدير بالذكر أن رواد الفضاء، وهم غالبًا من الطيارين الحربيين، يتم تدريبهم في مراحل مختلفة على كبسولات الفضاء وكيفية التحكم بها، ولهذا أثناء تدريبات طيران التحكم في المركبات الفضائية تحصل العديد من الحالات الخطرة، لدرجة وفاة ستة من رواد الفضاء.
والجدير بالذكر أن رائد الفضاء الأمريكي الأسطورة نيل أرمسترونج نجا من موت محقق في الثواني الأخيرة، عندما كان في منتصف عام 1968م يتم تدريبه على التحكم في كيفية إنزال المركبة القمرية (Lunar Lander)، عندما انقلبت فجأة على رأسها وهي في ارتفاع شاهق، وسقطت على الأرض لتحترق، بعد أن نجا أرمسترونج بحياته بفضل تفعيل كرسي القذف من المقصورة.
ونظرًا لأهمية تدريب رواد الفضاء على التحكم في إنزال المركبة القمرية (Lunar Lander) لضمان الهبوط الآمن على سطح القمر، قامت وكالة الفضاء الأمريكية بتصنيع خمسة نماذج من هذه المركبة القمرية، والتي تحطم ثلاثة منها واحترقت أثناء عمليات التدريب بسبب وجود بعض الأعطال الفنية أو بسبب صعوبة التحكم السليم بها. وهذا، ولا شك، يعطي مؤشرًا لمدى خطورة محاولة الهبوط على سطح القمر، خصوصًا في الزمن القديم قبل تطوير أجهزة الكمبيوتر المتقدمة التي يمكن أن تتحكم في عملية الهبوط آليًا.
العقبات والعثرات في الرحلة القمرية
في وثائق وسجلات وكالة الفضاء الأمريكية ناسا وبرنامج الفضاء السوفيتي، توجد عشرات وربما مئات الحوادث التي نتج عنها حصول إصابات خطرة، بل وحتى الوفاة لرواد الفضاء الأمريكيين (Astronauts) ورواد الفضاء السوفييت (Cosmonauts). فبعضهم لقي حتفه أثناء التدريب وهو يرتدي بذلة الفضاء، وبعضهم قُتل خارج التدريب، وأشهر مثال على ذلك رائد الفضاء الروسي الشاب يوري غاغارين، الذي فقد حياته وهو في سن 34، وذلك جراء سقوط طائرته الحربية أثناء رحلة تدريب روتينية.
وبمناسبة ذكر يوري غاغارين، تجدر الإشارة إلى أن يوم غد الأحد 12 أبريل يتوافق مع ما يُسمى: ليلة يوري (Yuri’s Night)، وهي احتفال يقوم به هواة علم الفضاء والفلك في ليلة 12 أبريل من كل عام، للاحتفاء برحلة يوري غاغارين للفضاء ودورانه حول الأرض على متن مركبة الفضاء السوفيتية فوستوك 1. وبحكم أن تاريخ ليلة غاغارين، أي 12 أبريل 1968م، يعتبر تدشينًا لعصر الفضاء وبداية غزو البشر للفضاء، فقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يوم 12 أبريل من كل عام سوف يصبح (اليوم العالمي للرحلة البشرية إلى الفضاء).
ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن رحلات الفضاء، سواء للمدارات الفضائية حول الأرض أو الرحلات إلى الأجرام الفلكية مثل القمر والعودة منها، ليست آمنة وسهلة دائمًا، بل أحيانًا قد تكون خطرة، بل وحتى مميتة. وهذا يقودنا للانتقال من يوم 12 أبريل إلى يوم 11 أبريل، ونقصد بها تلك الحادثة المشهورة التي حصلت للرحلة القمرية (أبولو 13)، التي انطلقت في ذلك اليوم من عام 1970م لتحاول الوصول إلى القمر والهبوط عليه للمرة الثالثة بعد نجاح مهام رحلة أبولو 11 ورحلة أبولو 12 في الهبوط والصعود السليم من جارنا القمر الفضي.
ولكن في منتصف الطريق إلى القمر حصل انفجار في إحدى خزانات غاز الأكسجين، مما تسبب في تلف بعض الأجهزة الإلكترونية الموجودة في المركبة الفضائية، وهذا يعني استحالة إكمالها لمهمتها ووجوب عودتها إلى الأرض في أسرع وقت ممكن. ولهذا كان على طاقم رحلة أبولو 13، وهم ثلاثة من رواد الفضاء، مغادرة مركبة الفضاء الأساسية واستخدام المركبة الصغرى المخصصة للهبوط على القمر، وتغيير برنامج الرحلة لاستخدام هذه المركبة للرجوع إلى الأرض في عملية بالغة الخطورة والصعوبة.
ومن الطرائف أنه لاحقًا تم توصيف هذه الرحلة بأنها مثال على (الفشل الناجح) (successful failure). والجيل الأكبر سنًا منا، متعهم الله بالصحة والعافية، ربما يتذكرون هذه الأحداث في ربيع عام 1970م، عندما كانت شرائح واسعة من شعوب العالم تتابع الأحداث الدرامية لعودة طاقم رحلة أبولو 13 إلى الأرض، وقد تم توثيق وتصوير هذه الكارثة في فيلم سينمائي مشهور.
وبمناسبة الحديث عن تعرض رواد الفضاء الأمريكيين لمخاطر حقيقية واحتمالية فقدان الحياة نتيجة للحوادث التي تقع أثناء محاولة العودة من الفضاء إلى الأرض، كما حصل مع رحلة أبولو 13 (وكما سوف نذكر لاحقًا المصير المؤسف لمكوك الفضاء الأمريكي كولومبيا)، تجدر الإشارة إلى أن الوضع كان أكثر مأساوية وخطورة بالنسبة لبعض رحلات رواد الفضاء السوفييت. فمثلًا، رائد الفضاء الروسي فلاديمير كوماروف يعتبر أول رائد فضاء يموت خلال تنفيذه لمهمة فضائية، وذلك أنه في نفس شهر أبريل الذي نتحدث عنه كثيرًا في هذا المقال، وبالتحديد في يوم 24 أبريل عام 1967م، وأثناء عودته إلى الأرض، فشلت مركبة الفضاء الروسية سويوز 1 (Soyuz 1) في الإطلاق السليم لمظلات الهبوط، كما فشلت المظلة الاحتياطية (مظلة النجدة) في العمل.
ونتيجة لارتطام مركبة الفضاء بسطح الأرض بسرعة هائلة ومن ثم احتراقها، قُتل في تلك الحادثة رائد الفضاء كوماروف، الذي أصبح يُعرف بالرجل الذي سقط من السماء. ومن مأساة الرحلة السوفيتية سويوز 1 إلى مأساة رحلة سويوز 11، التي وقعت في يوم 30 يوليو 1971م، وذلك عندما كانت مركبة الفضاء الروسية تستعد للعودة إلى الأرض، عندما حصل عطل فني في أحد الصمامات، مما نتج عنه تسرب الهواء إلى خارج الكبسولة الفضائية قبل دخول الغلاف الجوي. ونتيجة لهذه الكارثة القاتلة، تعرض رواد مركبة سويوز 11 الثلاثة للاختناق والوفاة، وبهذا يُعتبر هؤلاء الرواد السوفييت حتى الآن هم البشر الوحيدون الذين توفوا في الفضاء.
الطريق إلى القمر .. طريق الموت
من هذا وذاك نعلم أن رحلات الفضاء (وعلى رأسها رحلات القمر) كانت قديمًا على درجة عالية من الخطورة، حيث تحصل مختلف الكوارث والحوادث والمركبة الفضائية في مدارها أو عند محاولتها الهبوط على الأرض، وفي بعض الحالات تحصل الكوارث المميتة أثناء مرحلة الإقلاع، أي في بداية الرحلة الفضائية. وكما هو معلوم، في صباح يوم 26 يناير من عام 1986م انفجر مكوك الفضاء الأمريكي تشالنجر أثناء عملية الإطلاق، مما أدى إلى مصرع سبعة من رواد الفضاء.

وهذا يذكرنا بكارثة مكوك الفضاء الأمريكي كولومبيا، الذي تحطم أثناء عودته إلى الأرض بعد دخوله الغلاف الجوي، وذلك في يوم 1 فبراير عام 2003م، مما أدى إلى احتراق ومقتل رواد الفضاء السبعة المنكوبين. وفي الجانب الروسي من كوارث عمليات إطلاق الصواريخ للرحلات الفضائية، وعبر السنوات، تعرض العديد من الرحلات الفضائية الروسية للفشل وهي لا تزال على منصة الإطلاق، كما حصل مع رحلة سويوز 7 ورحلة كوسموس 2 ورحلة كوسموس 3 وغيرها كثير.
وبالرغم من أن رحلة (أرتميس 2 Artemis II)، التي تابعتها البشرية هذه الأيام في مغامرتها إلى القمر والعودة والهبوط بسلام في مياه المحيط الهادئ فجر اليوم السبت 11 أبريل، كانت ناجحة وآمنة بشكل كبير، بالرغم من أن تلك المركبة دخلت الغلاف الجوي وهي تسير بسرعة 40 ألف كم/ساعة، وبزاوية اختراق نتج عنها توليد حرارة هائلة وصلت إلى حوالي ثلاثة آلاف درجة مئوية. وبالرغم من نجاح أغلب عمليات الإطلاق ومن ثم العودة لرحلات الفضاء، إلا أن تاريخ البشرية مع غزو الفضاء وارتياد آفاق الفلك شهد، عبر السنوات، عددًا كبيرًا من الحوادث والكوارث الخطيرة، لدرجة أنه حتى الآن قُتل 21 من رواد الفضاء وهم يقومون بمهام رحلات استكشاف الفضاء، بينما يصل عدد الأفراد من غير رواد الفضاء الذين لقوا حتفهم بسبب حوادث مرتبطة ببرامج ومشاريع رحلات الفضاء لمختلف الدول إلى حوالي 188 شخصًا.
ولعل بهذا يتبين أن الطريق إلى القمر بالفعل زاخر بالعقبات والعثرات، وكدلالة على خطورة (استكشاف الفضاء) والرحلة إلى القمر، وكنوع من إحياء ذكرى الأشخاص الذين قضوا نحبهم وهم يساهمون في تحقيق حلم البشرية للسفر إلى القمر، قام طاقم رحلة أبولو 15 في صيف عام 1971م بوضع مجسم صغير على سفح إحدى الهضاب في القمر يمثل رائد فضاء مرتديًا بدلته القمرية. وبالقرب من ذلك التمثال الصغير تم غرس لوحة من الألومنيوم مكتوب عليها أسماء 14 شخصًا من رواد الفضاء أو من الطيارين الذين فقدوا حياتهم ولاقوا حتفهم وهم يشاركون في التجارب والتدريبات الأولية في محاولة الوصول إلى القمر والعودة منه.
.
تواصل مع الكاتب: ahalgamdy@gmail.com