.
◀ المقال 2 من 5
كان راهب في إحدى القرى قد علّق على باب غرفته لافتة كتب عليها: «هنا الجواب على سؤالك». ذات يوم جاءه صبي صغير، فنظر إلى اللافتة ثم قال له ببساطة: «لكن ما هو السؤال؟ أنا مشكلتي في السؤال — مش في الجواب!».
يروي الدكتور محمد الخمسي هذه القصة ليصف بها حالنا — نحن المجتمعات العربية — بدقة لا تخطئ: نمتلك أجوبة كثيرة، وكُتباً، وخبراء، ومؤتمرات، وخططاً. لكننا نادراً ما نقف لنسأل: هل السؤال الذي نُجيب عنه هو السؤال الصحيح أصلاً؟
«نحن مجتمعات لدينا جميع الأجوبة — ولا ننتج أسئلة»
أولاً: الجواب بلا سؤال — جهد بلا اتجاه
يُفرّق الدكتور الخمسي بين أمرين: أن تُجيب على حقيقة العالم، وأن تُجيب على ما تتخيّله عن العالم. الفارق بينهما شاسع — ومع ذلك نقع فيه باستمرار.
حين لا يُنضج السؤال، تصبح كل طاقاتنا المبذولة — في البحث والتخطيط واتخاذ القرار — موجّهة نحو وجهة خاطئة. نُجيب بجدية واجتهاد، لكن على سؤال لم يطرحه أحد بعناية.
والسؤال الصحيح ليس ما يخطر أولاً في الذهن — بل هو ما يظهر بعد تفكير عميق وتحليل دقيق للواقع. إنه البوصلة التي تحدد الاتجاه قبل أن تُطلق المحرك.
في أرسكو، رأينا هذا الخلل عن كثب في مسيرة العمل العلمي العربي: مشاريع بحثية ضخمة لم تنطلق من سؤال حقيقي، وقرارات كبرى اتُّخذت دون أن يُطرح السؤال الجوهري أولاً. وهذا بالضبط ما جعل توطين منهجية السؤال العلمي في صميم رسالتنا.
ثانياً: نماذج حية على هذا الخلل
يضرب الدكتور الخمسي مثالاً معاصراً وحياً: حين ظهر الذكاء الاصطناعي، بدأت مؤسساتنا تكتب عنه فوراً — مخاطره، فوائده، كيف نتعامل معه. لكن السؤال الأهم لم يُطرح: ما الذي يُمكن أن يحله الذكاء الاصطناعي من معضلاتنا الحقيقية؟ كيف نوظّفه في مسألة التصحر؟ وشُحّ المياه؟ والرعاية الصحية في المناطق النائية؟
كان الجواب جاهزاً قبل أن يُطرح السؤال — وهذا هو الخلل بعينه.
لكن الذكاء الاصطناعي ليس المثال الوحيد. الخلل ذاته يظهر في توجيه بوصلة البحث العلمي: كثير من أبحاثنا تُجيب على أسئلة طرحها الآخرون في سياقات مغايرة لواقعنا، بينما تظل الأسئلة الحارقة المنبثقة من مجتمعاتنا بلا بحث. ويظهر أيضاً في اتخاذ القرار: حين يُبنى القرار على معطيات متاحة لا على تشخيص دقيق للمشكلة الحقيقية. وحين يُحشد الجهد والمال لحل أعراض بينما جذر المشكلة لم يُسأل عنه أحد.
والمفارقة أن الكفاءات موجودة، والإمكانات متاحة — لكن غياب السؤال الصحيح يجعلها تعمل في الاتجاه الخطأ. هذا ما نواجهه في العمل مع المجتمع العلمي العربي: ليست أزمة موارد، بل أزمة منهجية.
ثالثاً: ما الذي يُنتج السؤال؟
إن كان غياب السؤال هو الداء — فما الدواء؟
يُشير الدكتور الخمسي إلى أن الأسئلة الحقيقية لا تنبت في بيئات تكبح الخيال وترفع منسوب الرقابة. ولا تنبت في العقول التي تعلّمت الإجابة ولم تتعلّم التساؤل. إنها تحتاج فضاءً من الحرية الفكرية، وتأملاً عميقاً في الواقع، وجرأة على قول «لا أعرف السؤال بعد».
وهذا ما تؤمن به أرسكو وتعمل من أجله: أن التفكير العميق وتحليل الواقع هما الطريق لصياغة السؤال. وأن المجتمع العلمي الذي يُحسن السؤال يُحسن البحث، ويُحسن القرار، ويُحسن الحل.
الفرق بين مجتمع علمي ناضج ومجتمع علمي يدور في حلقات مفرغة ليس في حجم المعرفة المتراكمة — بل في جودة الأسئلة المطروحة.
لذا فإن من أولويات أرسكو بناء ثقافة السؤال العلمي في المجتمع العربي — لأن السؤال الصحيح هو البذرة التي ينبت منها كل إنجاز حقيقي.
دعوة عملية
نطرح على كل عضو في مجتمعنا العلمي سؤالاً واحداً يحمله معه:
ما السؤال الذي يجب أن تطرحه في مجالك اليوم — ولم تطرحه بعد؟
ليس السؤال السهل الذي تعرف جوابه. ولا السؤال الذي طرحه غيرك فأجبت عنه. بل السؤال الذي تشعر أن الإجابة عنه ستغيّر اتجاه عملك — لكنك لم تجد الوقت أو الجرأة لطرحه بعد.
هذا هو السؤال الذي تحتاجه مجتمعاتنا العلمية اليوم.
───────────────
◀ المقال الأول: الرياضيات ممرُّ الملوك
المقال القادم: مناطق التماس “حيث يُولد الإبداع”
لماذا تلتقي العلوم عند حدودها لا في مراكزها؟
───────────────
مصدر هذهِ السلسلة: مستوحى من بودكاست مجتمع Mujtama
حوار مع الدكتور محمد الخمسي | youtu.be/hA5Q9cgzUvo
.
تواصل مع الكاتب: info@arsco.org