مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

الإعلام الرقمي والتعويم الثقافي

الكاتب

د. مروة يحيى

دكتوراه الفلسفة في التربية

الوقت

11:32 مساءً

تاريخ النشر

10, فبراير 2026

.

عصر العولمة هو عصر بلا قلب؛ عصرٌ تتبدل فيه الكلمات إلى أسلحة، والصور إلى زريعة ألغام متوقدة، والابتسامات إلى وعود خائنة. فلم يعد الاحتلال احتلالًا للأرض، بل احتلالًا لعقليات الشعوب ونفوسهم عبر وسائل الإعلام، فأصبحت الحروب سلاحها الشاشات، وذخيرتها المعلومات، وباتت وسائل الإعلام الجماهيرية الرقمية في العصر الراهن هي الزاد الثقافي والخبرة المرجعية لملايين البشر من المستخدمين الرقميين.

وقد جعل الإعلام الرقمي المفتوح الحياة الإنسانية الخاصة مطبوعة بصيغة العامة، تخرج من كل بيت إلى أي بيت في أي وطن، فتغيّرت التهديدات والمخاطر من طابعها المحلي الداخلي إلى طابع عالمي، وأصبحت عابرة للحدود والقارات.

ومن مخاطر الانفتاح الرقمي، باعتباره أحد معالم العولمة الثقافية وانعكاساتها على الهوية، أنه يؤثر في السلوك وأسلوب التفكير واتخاذ القرار، ويقوّض حرية الفكر، ويحدد الاتجاهات والاهتمامات والميول، ويعيد صياغة الطموحات.

ففي عصر الإعلام المفتوح تتعرض الهوية لحملات مكثفة من الغزو الإعلامي والفكري، وقد تحوّل الإنسان إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، بينما تُعدّ الثقافة التنويرية أحد أشكال تعطيل هذه العملية قبل انفجارها. فكل ذاتٍ تجهل أضعاف ما تعرف، ويقوم الغزو الإعلامي على إذابة الشعوب وانسلاخها من عقائدها وحضارتها لتصبح مسخًا. وما نراه اليوم على الشاشات يحتوي على أنساق ثقافية مدمرة؛ فالمسلسلات يشيع فيها السبّ والقذف، والخيانة الزوجية، والتفكك الأسري، والضياع القيمي، وهو ما يصل إلى شرائح واسعة من المجتمع بجميع فئاته العمرية.

ومثال ذلك منصة تيك توك القائمة على إرضاء الرغبات الجماهيرية، والاهتمام بالتفاهات، والبعد عن الأصالة، بما يخلق جيلًا لا يرى الحياة إلا هزلًا ورفضًا ومنعة. كما أن خلو برامج التعليم والإعلام الشائعة – كالماء والهواء – من منجزات الثقافة الوطنية جعل عقول النشء كالقطيع سهل الانقياد، يُلقي بنفسه نحو أي مذبحٍ آليّ شاكرًا التقدم الذي سهّل له سبل الفناء؛ فلا المؤلفات تُشكّل الذاكرة، ولا الرسوم والموسيقى تجري في شرايين النشء وعروقه لتُرسّخ منجزات الوطن في وجدانه.

ونتيجة للتضخم الإعلامي المسيطر، والانفتاح غير المنضبط على الثقافات الأخرى، فقد المجتمع ملامحه المميزة ومظاهر هويته الدينية والثقافية والمجتمعية، إثر تقليد أعمى لأنماط حياة أجنبية دون الرجوع إلى مرجع التراث والعادات والتقاليد المحلية. وهذا الذوبان يمكن أن نطلق عليه مصطلح “التعويم الثقافي”، حيث تهيمن الثقافة الاستهلاكية للعولمة الرقمية على عقول النشء، بما يضعف الانتماء الثقافي والاعتزاز بالهوية.

وقد استُخدم هذا المصطلح في العالم العربي لوصف حالة الفقدان للثوابت والقيم الثقافية؛ إذ أصبحت الأفكار والمفاهيم عائمة دون جذور أو هوية واضحة. فالبنية الذهنية والنفسية والاجتماعية للإنسان أصبحت مُسَلَّعة بما يتناسب مع متطلبات وسائل التواصل الاجتماعي، فتشتتت الأفكار، وضُربت المفاهيم المعرفية والقيم المعنوية في مقتل، وبات النسق القيمي والسلوكي مهلهلًا ومفككًا.

وقد وصف مالك بن نبي هذا التعويم في كتابه “ميلاد المجتمع” بمفهوم القابلية للاستعمار؛ فالثقافة التي تستوعب بمهارة عالية آلاف المفردات تتحدد قوتها بمدى فهمها واستيعابها واندماجها المحدد والمشروط مع هذه المفردات الثقافية الدخيلة، وقدرتها في الوقت ذاته على التمسك بثقافتها وهويتها الوطنية وعاداتها وتقاليدها. إذ إن كل مدخل حضاري جديد ينخرط فيه المجتمع يقابله مخرج إنساني مصبوغ بفكر المستعمِر للمستعمَر، وهو مخرج اللاجدوى.

وقد بدأت شرارة هذا التعويم عندما امتلكت الدول العظمى المنصات الرقمية الكبرى، فربطت عربة الثقافة بخيول منصاتها الإعلامية، لتجرّ عقول الدول النامية إلى وجهات غير مألوفة؛ وجهات مصممة لنقل أساليب العيش وممارسة الحياة على غرار الأفلام الهوليوودية، والانحلال اللاأخلاقي للأفلام الأوروبية، وتسليع الثقافة المادية من سيارات وعقارات وأدوات مطبخ سريعة.

فالتعرض المستمر للمحتوى الرقمي يغرس قيم الناشر ويعيد تشكيل المتلقي، حتى أصبح ينظر إلى الإعلام بوصفه منتجًا رغبوياً يصوغ الأذهان لمصلحة الهيمنة. وتتحول الرسائل إلى معارف مشتركة عبر التفاعلات اليومية على منصات الإعلام، فيتحول التبادل الثقافي إلى صراع طبقي عقدي.

وأصبحت المنصات الرقمية أشبه بإلهٍ متعدد الأذرع، كالإله الهندي “فشنو”، يتحكم في صياغة العقول عبر ملايين المعلومات والأفكار المنتشرة في العالم الافتراضي، المرتبطة أساسًا بأهداف اقتصادية وآليات السوق العالمي، والمطامع الأممية ذات النفوذ الرأسمالي المتحكم في الموارد العالمية.

وتقوم الرأسمالية الإعلامية على أطرٍ عدة، من أهمها السيطرة المطلقة على القنوات الإعلامية التي يجد الناس فيها ترجمانًا لأفكارهم، والهيمنة على أي وسيلة إعلامية تتيح للعقول التعبير عن آرائها، ومنعها من مهاجمة منظومة الهيمنة. وقد سخّروا لذلك الأموال والخبرات لدعم البحوث والمراكز العلمية والتعليمية في المجتمعات النامية، لخلق كوادر وطنية مزدوجة الانتماء، فردية الولاء، تعمل على سحق المفكرين والقادة الوطنيين إذا خرجوا عن دائرة السيطرة، والاستهانة بالقيم المجتمعية والهوية والانتماء وحقوق المواطنة، وتشجيع القيم الانتهازية والجشع، وتصوير اللغة العربية على أنها لغة دين لا لغة حياة، ولغة ماضٍ لا مستقبل، ولغة أدب لا علوم، والدعوة إلى التأليف بالعامية، واستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي في كتابة العربية لإماتتها، وصناعة الأخبار للتحكم في إثارة الجماهير أو تهدئتها حسب الحاجة، وربط النجاح بعدد المشاهدات والإعجابات، وربط العدالة الاجتماعية بثقافة الاستعراض الخيري، وربط النظم التعليمية بسياسات الهيمنة بما يحقق الاغتراب الثقافي والحضاري.

وفي الوقت الراهن يمكن القول إن هذه الأهداف قد تحققت؛ إذ أصبح كل فرد قناة إعلامية قائمة بذاتها، يخاطب العقل الجمعي بما يمتلكه من أدوات بثّ سريعة ومفتوحة، ما دام يمتلك هاتفًا ذكيًا واتصالًا بالإنترنت. ومن هنا تبرز ضرورة التوجيه والمراقبة، خاصة في المجال السمعي والبصري، لخدمة الصالح العام وتحقيق الأمن الثقافي والمجتمعي.

ويكمن ذلك في التخلص من الإصرار على الجهل، وتعزيز دور رجال الدين والثقافة، وتوجيه الرأسمالية الثقافية والإعلامية لخدمة الوطن، ووضع سياسات واضحة لاحترام الحدود الثقافية، وتعزيز استعمال اللغة العربية في الإعلام والارتقاء به، وبناء برامج تعليمية تُعمل العقل، وتدحض التبعية، وتُحصّن القيم، وإطلاق مشاريع وطنية لتجديد الفكر والخطاب وصياغة العقول والنفوس على منجزات الوطن.

أوصي عبر هذهِ المقالة، بتحويل الثقافة عبر منصات الإعلام الرقمي إلى منتج جذاب، يعزز الجودة المجتمعية ويكسب النفوذ المحلي والإقليمي والدولي، “فالفوضى الخلّاقة” يفوق أثرها مفعول القنبلة النووية في اقتلاع جذور ثقافات الشعوب، لتصبح المنصة الإعلامية درعًا واقيًا يحمي الأمة من محاولات الاستلاب المستمرة، لا سيما في صورتها الراهنة: العولمة الرقمية المفتوحة.

.

تواصل مع الكاتب: marwa0107800453@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x