مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

خريطة البحث العلمي في العالم عام 2025

صعود الصين واقترابها من القمة الأمريكية
الكاتب

أ.د. محمد فوزي رمضان حسانين

كلية العلوم الطبية التطبيقية - جامعة أم القرى

الوقت

02:56 صباحًا

تاريخ النشر

01, فبراير 2026

.

يشهد النظام العلمي العالمي تحولًا عميقًا في موازين القوة البحثية، وفق تقرير “آفاق البحث العلمي 2025: المجالات النشطة والدول الرائدة” الصادر عن الأكاديمية الصينية للعلوم، بالتعاون مع مؤسسة Clarivate المتخصصة في تحليل البيانات العلمية. ويكشف التقرير بوضوح أن البحث العلمي العالمي لم يعد موزعًا كما كان في العقود الماضية بين عدة قوى كبرى، بل أصبح يتمحور اليوم حول قطبين رئيسيين لا ينافسهما أحد: الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

ويغطي التقرير 128 جبهة بحثية دولية (110 مجالات نشطة و18 مجالًا ناشئًا)، موزعة على 11 تخصصًا علميًا واسعًا تشمل الطب، والعلوم البيولوجية، والكيمياء، والفيزياء، وعلوم المعلومات، والرياضيات، والدراسات البيئية، والعلوم الاجتماعية، وغيرها. وقد استخدم التقرير معيارًا مركبًا يُعرف باسم مؤشر الريادة البحثية (RLI)، الذي يجمع بين حجم الإنتاج العلمي ومستوى تأثيره العالمي من خلال الاستشهادات، ليقدّم مقياسًا متوازنًا لقوة الدول العلمية.

أمريكا أولًا.. والصين تلاحقها بفارق ضئيل

بحسب الترتيب الإجمالي، ما تزال الولايات المتحدة في صدارة البحث العلمي العالمي بمؤشر بلغ 193 نقطة، إلا أن المفاجأة الكبرى تمثلت في حلول الصين في المركز الثاني بـ 182 نقطة، أي ما يعادل نحو 95% من المستوى الأمريكي، وهو فارق لم يسبق له مثيل من حيث الضيق. أما أوروبا فجاء تمثيلها في الصف الثاني، حيث حلّت بريطانيا وألمانيا في المركزين الثالث والرابع، بفارق كبير عن القوتين المتنافستين.

ويشير التقرير إلى أن المشهد الحالي يتسم بثنائية واضحة:

1- الصين تتفوق في حجم الإنتاج العلمي وعدد الأوراق البحثية المنشورة.
2- الولايات المتحدة ما تزال الأكثر تأثيرًا وجودة من حيث الاستشهادات العالمية.

وبعبارة مبسطة، تنشر الصين أكثر، بينما تُستشهد أبحاث الولايات المتحدة على نطاق أوسع، وهو الفرق الجوهري الذي ما يزال يمنح أمريكا أفضلية طفيفة في قمة البحث العلمي العالمي.

تضييق الفجوة خلال ثمانية أعوام

تؤكد الأرقام التاريخية الواردة في التقرير أن الصين لم تصل فجأة إلى هذا الموقع، بل صعدت خلال سنوات قليلة بوتيرة متسارعة. ففي عام 2017 لم تتجاوز مكانتها 42% من المستوى الأمريكي، لكنها تجاوزت النصف في عام 2018، ثم تخطت الثلثين في عام 2019. وبعد بعض التذبذب خلال سنوات جائحة كورونا، عادت للارتفاع مجددًا لتصل في عام 2025 إلى نحو 94.5% من القوة البحثية الأمريكية.

وتعبّر هذه القفزة عن توسّع استراتيجي صيني في دعم البحث العلمي والتعليم العالي، إلى جانب توجيه استثمارات ضخمة نحو القطاعات التكنولوجية والبيئية والتطبيقية.

من يقود أي مجال؟

يكشف التقرير أن قيادة البحث العلمي لم تعد حكرًا على دولة واحدة، بل توزعت بين القطبين وفقًا للتخصصات:

مجالات تتفوق فيها الصين:

1- الزراعة وعلوم النبات والحيوان
2- البيئة والنُّظم الإيكولوجية
3- الكيمياء وعلوم المواد
4- الفيزياء
5- علوم المعلومات
6- الاقتصاد والعلوم الاجتماعية

مجالات تحافظ فيها الولايات المتحدة على اليد العليا:

1- علوم الأرض
2- الطب السريري
3- العلوم البيولوجية
4- علم الفلك والفيزياء الفلكية
5- الرياضيات

ويعكس هذا التوزع ميلًا صينيًا واضحًا نحو التخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعة والبيئة والتحول الرقمي، في مقابل احتفاظ الولايات المتحدة بتقدمها في العلوم الطبية المتقدمة، والرياضيات النظرية، وأبحاث الفضاء.

هيمنة شبه كاملة على “جبهات البحث”

أما على مستوى الموضوعات البحثية الأكثر تأثيرًا في العالم – أو ما يُعرف بـ «الجبهات البحثية» – فتبدو الهيمنة أكثر وضوحًا:

– الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في 64 جبهة بحثية (50%).
– الصين تتصدر 52 جبهة بحثية (40.6%).

وبذلك تستحوذ الدولتان معًا على أكثر من 90% من زعامة الجبهات البحثية العالمية، بينما لا تتجاوز مساهمة بقية دول العالم مجتمعة 10% فقط. أما ألمانيا وبريطانيا وكندا وغيرها، فلا تظهر إلا في نطاق محدود جدًا من المجالات الفردية.

أوروبا في الصف الثاني

على الرغم من التاريخ العريق للمراكز البحثية الأوروبية، يُظهر التقرير أن أوروبا أصبحت قوة علمية من المستوى الثاني. فبريطانيا وألمانيا ما تزالان لاعبين مهمين، لكن دون قدرة حقيقية على منافسة القوتين العُظميين من حيث الحجم أو الشمولية. وتؤكد البيانات أن تواجد الدول الأوروبية ضمن المراكز الثلاثة الأولى في الجبهات البحثية يظل محدودًا مقارنة بالحضور الأمريكي والصيني شبه الشامل.

نقاط قوة وضعف الصين

ويرصد التقرير مفارقة بارزة في الحالة الصينية؛ فعلى الرغم من ريادتها في عدد الأبحاث المنشورة، لا تزال تعاني من فجوة في التأثير العلمي النوعي، خصوصًا في مجالين بالغَي الأهمية هما الطب السريري وعلوم الفلك والفضاء. ويعني ذلك أن كثيرًا من الدراسات الصينية تُنشر على نطاق واسع، لكنها لا تحظى بمستوى الاستشهاد أو التأثير الدولي نفسه الذي تتمتع به نظيراتها الأمريكية أو الأوروبية.

وترتبط هذه الفجوة بعوامل متعددة، من بينها مستوى التعاون الدولي، وعمق البنية التحتية البحثية، وشبكات النشر العلمي المرموقة.

نظام علمي ثنائي القطبية

يخلص التقرير إلى أن العالم يشهد تشكّل نظام علمي ثنائي القطبية، تقوده الولايات المتحدة والصين بشكل شبه كامل، مع تراجع واضح لدور القوى البحثية التقليدية في أوروبا وبقية آسيا. وبينما تحافظ أمريكا على ريادتها النوعية، تواصل الصين تقليص الفجوة بوتيرة متسارعة، مستندة إلى توسع هائل في التمويل، والتجهيزات، والموارد البشرية البحثية.

وتعكس خريطة البحث العلمي لعام 2025 حقيقة لافتة: المعرفة العالمية باتت ساحة مواجهة استراتيجية بين واشنطن وبكين. وبينما تمتلك الولايات المتحدة الأفضلية في التأثير والجودة، أصبحت الصين منافسًا كميًا لا يُستهان به، بل وشريكًا كاملًا في رسم اتجاهات المستقبل العلمي.

ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح الصين في تحويل تفوقها العددي إلى نفوذ علمي نوعي يعادل أو يتجاوز التأثير الأمريكي؟

الأعوام القادمة وحدها ستكشف إن كان العالم مقبلًا على قيادة علمية مشتركة… أم على انقلاب في قمة المعرفة العالمية.

.

المصادر

https://clarivate.com/news/clarivate-and-the-chinese-academy-of-sciences-release-the-2025-research-fronts-report/

https://discover.clarivate.com/Research_Fronts_2025_EN

.

تواصل مع الكاتب: mfhassanien@uqu.edu.sa

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x