.

.
إنّ هذه المنظّمة الحديثةَ النشأة، العميقةَ الأثر، الناضجةَ الأهداف، الواعيةَ باستراتيجياتها، تمثّل في نظري فرصةً حضاريّةً حقيقيّةً للأمّة العربيّة والإسلاميّة؛ فرصةً كفيلةً – إذا ثبت العزم، وتظافرت الجهود، وتشبّكت العلاقات بالإسهام في نهضةٍ علميّةٍ عربيّة، أساسها الإيمان بأنّ العمل، متى كان صادقًا، والعلم، متى كان نافعًا، سيثمران بالضرورة، ويضمنان ازدهار الأمّة ورقيّها، استعادةً لماضٍ مجيد، واستشرافًا لمستقبلٍ مشرق.
ونحن نبارك عمل هذه المنظّمة؛ لأنها جامعةٌ شاملةٌ منفتحة، هدفها العلم ونشره وتطويره والنفع به وتكريم أهله؛ إذ بالعلم وحده تضمن الشعوب مستقبلًا أفضل لأبنائها، وبالعلم وحده نعزّز إيماننا بالله الذي أنزل القرآن هدىً للناس، وأمر نبيّنا محمدًا، صلّى الله عليه وسلم – أوّل ما أمره – بأن يقرأ.
تجربتي الشخصيّة مع أرسكو جيّدة، ناجحة وواعدة. تعرّفتُ إلى الدكتورة، رئيسة المنظّمة، السيّدة الفاضلة موزة بنت محمد الربّان، في إطار مشروعٍ عرضته المنظّمة ليُترجَم من قبل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وهو كتاب الأستاذ الفذّ والعالِم العلّامة العربي رشدي راشد، بعنوان: «ابن الهيثم وانبثاق الحداثة الكلاسيكيّة»، وقد تشرّفتُ بترجمته من الفرنسيّة إلى العربيّة، وصدر سنة 2025 عن المركز المذكور في نسخةٍ جميلةٍ أنيقة.
وتواصل العمل مع هذه المنظّمة العتيدة في مشاريع ترجمةٍ ومراجعةٍ أخرى، من بينها: مراجعة النسخة العربيّة لكتاب «المدخل إلى فكر رشدي راشد وأعماله» الذي ألّفه معصومي همداني، وترجمة «المحادثة مع رشدي راشد حول الرياضيات وتاريخ العلوم والعالم العربي الإسلامي» التي أجراها عالم الأنثروبولوجيا ديديي غازانيادو، إضافةً إلى ترجمة عمل رشدي راشد حول النسخة العربيّة لرسالة «في مساحة الدائرة» لأرشميدس، وغيرها من الأعمال.
وأهمّ مشروعٍ نتقدّم فيه بخطى ثابتة مع الدكتورة الفاضلة هو مشروعٌ ذو بُعدٍ حضاريٍّ عميق، يتمثّل في ترجمة الجزء الثالث من الموسوعة الإيطاليّة الخاصّة بالعلوم العربيّة، وقد بلغ فيه العمل “ترجمةً ومراجعةً” شوطًا لا يُستهان به. وقد وجدتُ، ولا أزال أجد، في العمل مع المنظّمة ورئيستها قبولَ الرأي الآخر، والاستفادةَ من تجارب الآخرين، والدعمَ الصادق للعمل الجيّد، والثباتَ على المبادئ، والالتزامَ بالأهداف السامية للمنظّمة. فطوبى لمنظّمةٍ وُلدت كبيرة، ولمديرتها التي تُشرف عليها بحكمةٍ ورويّةٍ واقتدار.
ما أتمنّاه لهذه المنظّمة هو الثبات، ومواصلة العمل بهذه الروح الصادقة النزيهة، من أجل مجتمعٍ علميٍّ عربيٍّ لا يكتفي بتخليد ماضيه التليد، بل يؤمن بالابتكار والتجديد في جميع المجالات، في حوارٍ نِدّيٍّ مع الأمم والشعوب التي فرضت بالعلم قوّتها، وبسطت نفوذها على العالم؛ حوارٍ يؤمن بالعلم وقيمته بقدر احترامه للمبادئ وتقديره للقيم الإنسانيّة، ضمانًا لإيتيقا كونيّة.
وما نقترحه هو النظر في إمكان تنظيم مؤتمرٍ علميٍّ حول قضايا علميّة راهنة مرّةً كلّ سنتين، بالتعاون مع مراكز أو منظّمات وطنيّة، على أن يكون متنقّلًا في كلّ دورة بين بلدٍ عربيٍّ أو إسلاميّ. وهو مقترحٌ كفيلٌ بتحويل العمل الرائد من أجل مجتمعٍ علميٍّ عربيّ، ينطق فيه العلم باللغة العربيّة، من التواصل الافتراضي إلى اللقاء الواقعي مرّةً كلّ سنتين، وهو أمرٌ مطلوبٌ ومحمودٌ في تقديري.

.
تواصل مع الكاتب: youssef.benothman@arsco.org