.

.
حين انبلج فجر يناير من عام 2011، لم يكن انطلاق موقع منظمة المجتمع العلمي العربي (أرسكو) مجرد تدشينٍ لمنصة رقمية جديدة، بل كان إيذانًا بولادة «بيتٍ معرفي» طال انتظاره؛ كيانٍ مؤسسيٍّ مستقلٍّ جاء ليمسح الغبار عن وجه المجتمع العلمي العربي، ويمنحه منصةً حرّةً تليق بطموحاته الجسورة. واليوم، ونحن نحتفل بمرور عقدٍ ونصف من العطاء، أجدني أتأمل في هذا الصرح الذي لم يكن يومًا مجرد أرشيفٍ للمقالات، بل كان «عصرَ تنويرٍ» مصغّرًا يسعى إلى جمع شتات العقول العربية، المهاجرة والمقيمة، لصياغة مشروعٍ نهضويٍّ حقيقيٍّ وشامل.
أرسكو: «الوطن الرقمي» وديمقراطية المعرفة
بالنسبة لي، كأكاديمي متخصص في الوراثة الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية، لم تكن «أرسكو» مجرد وسيلة لنشر المقالات، بل كانت «بيتًا معرفيًا» و«عصرَ تنويرٍ» مصغّرًا يسعى إلى جمع شتات العقول العربية. إنها تجسيدٌ حيٌّ لمبدأ «ديمقراطية المعرفة»؛ فهي المنصة التي آمنت منذ يومها الأول بأن العلم لا ينبغي أن يظل حبيس الدوريات المغلقة أو لغةٍ أجنبيةٍ بعيدةٍ عن وجدان المواطن العربي. وتعني لي أرسكو ذلك «الوطن الرقمي» الذي يمنحنا الحق في الكتابة بلسانٍ عربيٍّ مبين عن أعقد القضايا، من الوراثة الجزيئية إلى فيزياء الكم، دون التفريط في الرصانة العلمية أو الانزلاق نحو السطحية.
رحلتي الشخصية: من صرامة المعمل إلى شغف المجتمع
لقد تشرفتُ بأن أكون شريكًا في هذه الرحلة منذ سنواتها الأولى، وتجاوزت تجربتي الشخصية مع المنظمة حدود المشاركة التقليدية؛ فقد كانت أرسكو المحرّك الأساسي الذي دفعني إلى تطوير مهارات «التواصل العلمي». وأتذكر دائمًا كيف تحوّلت مقالاتي من دراسات أكاديمية جافة إلى حوارات معرفية تمس حياة المواطن العربي؛ سواء كنت أتحدث عن أخلاقيات «كريسبر» أو أحلل واقع البحث العلمي العربي. وبينما كنت غارقًا في أبحاث التكنولوجيا الحيوية، منحتني المنظمة فرصة لأكون «مواطنًا علميًا» يتفاعل مع قضايا مجتمعه.
وعلى الصعيد المؤسسي، كان دوري كمستشارٍ للمنظمة وعضو هيئة تحكيم للمشاريع البحثية والتجارب الإعلامية نافذةً أطلتُ منها على حجم الإبداع العربي الكامن؛ حيث رأيت ثمرة جهودنا تدعم شابًا باحثًا أو تُكرّم رائدًا مثل الدكتور محمد القصّاص. ومن خلال أرسكو، حاولنا دائمًا وضع مرآة أمام المجتمع العلمي العربي ليرى واقعه بصدق؛ فكنا ندق ناقوس الخطر حين كشفنا أن مساهمة العرب في البحث العلمي العالمي لا تتجاوز 2.2%، رغم ثروتنا البشرية الهائلة. ولم نكتفِ بالرصد، بل انتقلنا إلى التنظير الأخلاقي عبر مناقشة «ميثاقٍ مصريٍّ لأخلاقيات البحث العلمي»، ومواجهة ظواهر «المجلات المفترسة» والانتحال العلمي. لقد كانت أرسكو هي المنصة التي تجرأت على نقد «السباق المحموم نحو النشر» المفتقر إلى القيمة المجتمعية، داعيةً دومًا إلى أن يكون البحث العلمي خادمًا للتنمية المستدامة والأمن الغذائي، وهو ما تجلّى بوضوح في كتاباتي على موقع المنظمة.
رؤى للمستقبل: نحو العام السادس عشر وما بعده
ونحن نفتح بوابة العام السادس عشر، فإن سقف الطموحات لا يحدّه إلا إيماننا بالعلم. وإنني أحلم، وأقترح على المنظمة، المبادرات التالية:
1- زمالة أرسكو للتواصل العلمي: إطلاق برنامج تدريبي للباحثين الشباب لتمكينهم من مهارات «أنسنة العلوم»، انطلاقًا من قناعتنا بأن تحسين التواصل العلمي بات قضيةً ملحّة.
2- منصة أرسكو للاستشارات الاستراتيجية: أن تتحول المنظمة إلى «بيت خبرة» يقدم أوراق سياسات للحكومات العربية، تفعيلًا لمبادرة «بالعِلم نسمو» الهادفة إلى ترسيخ الارتباط بين المعرفة وصناعة القرار.
3- توسيع مظلة «صندوق دعم العلماء»: زيادة دعم الباحثين في المناطق التي تمر بظروف استثنائية، لضمان استمرارية العطاء العلمي رغم التحديات الجيوسياسية.
4- الصحافة العلمية الاستقصائية: تطوير قسم الصحافة العلمية للقيام بتحقيقات معمّقة حول قضايا البيئة، والتغير المناخي، وسلامة الأغذية المعدلة وراثيًا في وطننا العربي.
إن استمرار أرسكو طوال خمسة عشر عامًا هو البرهان الساطع على قوة الرؤية ونُبل الهدف. فهي «قصة نجاح» تستحق منا كل الدعم، لا بوصفها أرشيفًا معرفيًا فحسب، بل كحركةٍ اجتماعيةٍ علميةٍ تسعى إلى توطين المعرفة بلسانٍ عربيٍّ مبين.
شكرًا للمنظمة التي منحتنا فضاءً لنشر الوعي، وشكرًا لكل قارئٍ جعل من كلماتنا حوارًا ممتدًا. وسنظل دائمًا نؤمن بأن «العلم هو القاطرة الوحيدة للتنمية»، وأن غدَنا الأفضل لن يُبنى إلا بعقولنا وأقلامنا المخلصة.

تواصل مع الكاتب: tkapiel@sci.cu.edu.eg