.

.
حين أتأمل مسيرتي مع منظمة المجتمع العلمي العربي (أرسكو)، لا أستحضر منصةَ نشرٍ عادية، بل أستدعي فكرةً ومشروعًا ثقافيًا ومعرفيًا آمنتُ به منذ اللحظة الأولى: أن يكون للعلم العربي فضاءٌ حرٌّ، رصينٌ، ومتاحٌ، يتحدث بلغة الناس دون أن يتنازل عن دقته أو عمقه.
ماذا تعني لي أرسكو؟
تعني لي أرسكو الجسرَ الذي عبرتُ عليه من قاعة المحاضرات والأوراق العلمية المتخصصة إلى القارئ العربي العام؛ القارئ الذي له الحق في أن يفهم العلم بلغته، وأن يشارك في أسئلته الكبرى. وفي عالم تتسارع فيه المعرفة وتتعقّد، جاءت أرسكو لتقول إن تبسيط العلم ليس تبسيطًا مُخلًّا، بل هو مسؤولية أخلاقية وثقافية. هنا وجدتُ مساحةً تحترم العقل العربي، وتُشجّع الباحث على الخروج من «البرج العاجي» إلى المجتمع، دون أن يفقد هويته العلمية.
تجربة شخصية مرتبطة بالمنظمة
من خلال مقالاتي التي نُشرت على أرسكو خلال سنوات طويلة، لمستُ أثرًا حقيقيًا لم أعهده في كثير من المنصات الأخرى. كنتُ أكتب أحيانًا في قضايا علمية شائكة—كالوراثة، والهوية الجينية، وأخلاقيات البيوتكنولوجيا، أو ذكاء النبات—فأفاجأ بتفاعلاتٍ من قرّاء غير متخصصين، ومن معلّمين، وطلاب، وصحفيين، بل وأولياء أمور. وقد علّمني هذا التفاعل أن المشكلة لم تكن يومًا في «عدم اهتمام الناس بالعلم»، بل في طريقة تقديمه. لقد ساعدتني أرسكو، وساعدت غيري، على اختبار هذه الحقيقة عمليًا: حين يُحترم القارئ، يُصغي، ويتفاعل، ويسأل.
كما ارتبط اسمي عبر أرسكو بنقاشات عربية واسعة حول قضايا تمسّ الواقع مباشرة، مثل: الأمن الغذائي، والتغير المناخي، والهندسة الوراثية، والعلاقة بين العلم والمجتمع. كانت المقالات تبدأ نصًا مكتوبًا، لكنها كثيرًا ما تحوّلت إلى حوارات ممتدة، وهو في رأيي أحد أنجح أدوار المنظمة.
ماذا أتمنى لأرسكو في المستقبل؟
أتمنى أن تمضي أرسكو بثبات نحو تعميق دورها بوصفها «بيتَ خبرةٍ علميًّا عربيًّا» لا يكتفي بالنشر، بل يقود مبادرات. وأرى مستقبلًا واعدًا لمساراتٍ مثل:
1- برامج تدريبية منهجية لشباب الباحثين في الكتابة العلمية الموجّهة للجمهور العام.
2- ملفات دورية كبرى حول قضايا مصيرية (المياه، الغذاء، الذكاء الاصطناعي، الصحة الوراثية).
3- تعزيز الشراكات بين العلماء، والصحفيين، وصنّاع القرار، بحيث يصبح العلم جزءًا من النقاش العام، لا ملحقًا به.
وفي عامها الخامس عشر، أستطيع القول باطمئنان: إن أرسكو لم تكن مجرد منصة أكتب عليها، بل كانت شريكًا في رحلة التفكير، ومساحةَ إيمانٍ بأن العلم العربي يستحق أن يُقال… ويُسمَع.

.
تواصل مع الكاتب: k.z.ahmed@minia.edu.eg