.
إذا كانت المقالات السابقة قد أبرزتْ كيف (تتكلم) نصوص نينوى طبيًّا عبر الوصف والوصفة، فإنّ ملفَّ الصُّفْراء/المَرارَة يفتح لنا بابًا جديدًا: كيف تتحوَّلُ «السوائل» من مجرّد مكوّنات في الجسد إلى لغة تشخيصيّة ومادّة علاجيّة في آنٍ واحد.
1) الكتابُ المرجع (BAM 11) ولماذا يهمّنا هنا؟
صدر حديثًا المجلّدُ الحادي عشر من سلسلة: Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen
بعنوان: Gastrointestinal Disease and Its Treatment in Ancient Mesopotamia: The Nineveh Treatise (جونسون وسيمكو، 2024).

وتُعرّف صفحته بأنه أوّل تحقيق شامل لأهمّ (مُعالَجَة/موسوعة) خاصّة بأمراض الجهاز الهضميّ، وما تصفه الصفحة صراحةً بأنه أمراض مُتعلّقة بالصُّفْراء إلى جانب الحُمَّيات. كما أن المجلّد منشور بوصفه وصولًا مفتوحًا بترخيص CC BY‑NC‑ND 4.0.
2) من «الصُّفْراء» كدلالة إلى «الصُّفْراء» كمادّة
حين نقول «الصُّفْراء» في نصوص الرافدين فنحن أمام مستويين:
1- الصُّفْراء بوصفها علامةً (علامة لون/سائل): تظهر في مفردات مثل amurriqānu التي تُترجَم «يَرقان/اصفرار» (وتُكتب لوغوغرافيًّا IGI.SIG7.SIG7 في نصوص العيون).
2- الصُّفْراء بوصفها مادّة دوائيّة: تُذكر «الصُّفْراء/المرارة» ضمن مكوّنات الوصفات، وأحيانًا يُذكر العضو نفسه (مَرارة الحيوان) لا السائل فقط.
3- وهنا تظهر قيمة «لغة الأخلاط قبل الأخلاط»: ليس لدينا بعدُ «نظريةٌ رباعيّة» على الطريقة اليونانيّة، لكن لدينا حسٌّ طبيٌّ شديد الدقّة في ربط اللون والسائل والعضو بالعارض وبالخطة العلاجية.
3) المصطلحان المسماريّان: ZÍ و uzuZÍ (وماذا يعنيان؟)
في معاجم العلامات المسمارية الواردة ضمن تحقيق نصوص نينوى، نجد تمييزًا دالًّا:
– uzuZÍ → martu بمعنى “مَرارة/حوصلة المرارة (gall bladder)”.
– ZÍ → martu بمعنى “الصُّفْراء/العُصارة الصفراويّة (bile)”.
واللافتُ أن المحقّقين يذكرون أنّ الفصل بين اللَّوغوغرامين ليس دائمًا يسيرًا في النصوص، وأنّ uzuZÍ قد يدلّ تخصيصًا على المرارة (العضو)، بينما ZÍ قد يدل على الصفراء أو على «المثانة» بحسب السياق.
هذه الدقّة الاصطلاحيّة مهمّةٌ جدًا: فهي تُظهر أن الطبيب/الكاتب الرافدينيّ لم يكن يتعامل مع الجسد بوصفه كتلةً واحدة، بل بوصفه أعضاء وسوائل لكلٍّ منها «سلوك» و«أثر» و«اسم» داخل الوصفة.
4) الصُّفْراء كعَرَضٍ يُرى… «اليرقان» في العينين
قد يدهشنا أن يَرِد «اليرقان» في نصوص طبّ العيون، لكن هذا منطقٌ سريريٌّ بامتياز: العينُ مرآةُ اللون. ففي إحدى فقرات IGI 2 يَرِد تشخيص واضح: «إذا كانت عينا الرجل ممتلئتَين اصفرارًا (يرقانًا)»، ثم تتبعها وصفة تعتمد قشر الرمان (تُسحق وتُستعمل عبر قصبة/قشّة) مع بدائل تحضير أخرى بالزيت أو بالمحلول الملحي.
نقطة المقال هنا ليست إعادة شرح طب العيون (وقد تناولناه)، بل الإشارة إلى أنّ «الصُّفْراء» ليست فكرة نظرية مجرّدة؛ بل علامة قابلة للملاحظة تدخل مباشرةً في مسار تشخيصيّ علاجيّ.
5) الصُّفْراء/المرارة كدواء: لماذا تُستعمل «مَرارة الحيوان»؟
في الوصفات الرافدينيّة لا تُستعمل النباتات وحدها؛ بل نجد مكوّنات حيوانيّة أيضًا، ومنها الصُّفْراء والمرارة. ومن أمثلة ذلك:
1- وصفة في IGI 1 تُشير إلى مزج المكوّنات «في صُفْراء كبش/خروف» قبل استعمالها في تركيبٍ يشبه «الكُحْل» مع تعليماتٍ موسميّة للتليين بالماء أو بعصارة نباتيّة.
2- وفي نصٍّ آخر من نصوص نينوى: يُذكر علاج يتضمّن «مَرارة خروف» مع «شحم أحمر» ويُعالجان بالملح ضمن سياق معالجة حالة مرضيّة في العين.
3- وتظهر كذلك «صُفْراء الضفدع» بوصفها مادّة دوائيّة «غريبة/نادرة»، مع تعليقٍ يربطها (ضمن فرضٍ تفسيريّ) بخاصيّة الترطيب في سياق علاج جفاف العين.
هل هذه الوصفات «علمٌ» بمعناه الحديث؟ ليست المسألة هنا. الأهمّ تاريخيًّا أنها تكشف عن (منطق علاجيّ متماسك):
– الصُّفْراء مادّة شديدة المرارة، وتُرى آثارها في اللون، وتخرج من عضو معروف (المَرارة/الكبد)،
– لذا تُفهم باعتبارها «قوّة» قد تُمرِض وقد تُداوي، بحسب الموضع والجرعة وطريقة التطبيق.
6) «لغة الأخلاط قبل الأخلاط»: ماذا نستخلص؟
قبل أن تُصاغ نظرية الأخلاط فلسفيًّا، تشتغل نصوص نينوى بمنطق عمليّ يمكن تلخيصه في ثلاث أفكار:
1- السوائل تُعرَف بآثارها المحسوسة (اللون، المرارة، الجفاف/الرطوبة).
2- العارضُ يُقرأ على سطح الجسد (كالاصفرار في العين)، لكنه يُحيل إلى «داخل» أعمق (الكبد/المرارة/الجهاز الهضمي).
3- الوصفة تُجادل المرضَ بلغته: إذا كان اللون أصفر، والمرارة مُتصوَّرة كقوّة داخليّة، فالمكوّنات «الصفراويّة» تدخل ضمن لعبة التوازن، وهذا بالضبط ما نعنيه بـ«لغة الأخلاط» على مستوى مبكّر، قبل تنظيرها الفلسفيّ اللاحق.
.
للتعريف بالمرجع الأساس للسلسلة (BAM 10) وبمراجعة الكتاب، راجع هذه الورقة المرجعية
.
المراجع:
- Johnson, J. Cale & Simkó, Krisztián. Gastrointestinal Disease and Its Treatment in Ancient Mesopotamia: The Nineveh Treatise(Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen, Band 11). De Gruyter, 2024. Open Access, CC BY‑NC‑ND 4.0.
- Geller, Markham J. & Panayotov, Strahil V. Mesopotamian Eye Disease Texts: The Nineveh Treatise(Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen, Band 10). De Gruyter, 2020. Open Access, CC BY‑NC‑ND 4.0.
.
البريد الإلكتروني: mmr@arsco.org
الحُمّيات وأمراض البطن في الطبّ البابليّ
حين تضيء العين أمراض الرأس
من أمراض العين إلى أمراض الرأس
مدخل إلى الطب في بلاد الرافدين
الطب في حضارات بلاد الرافدين