.
أصبحت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المعروفة بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة، بؤرةً لتهديد مزدوج يتقاطع فيه تغيّر المناخ مع ندرة المياه وانعدام الأمن الغذائي. وتُعدّ الزراعة، التي تمثل الركيزة الاقتصادية الرئيسية لعدد من بلدان المنطقة، من أكثر القطاعات تأثراً بتغيّر المناخ، إلى جانب تأثرها بالعوامل المناخية البنيوية المرتبطة بطبيعتها الجافة، مثل عدم انتظام هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة.
وقد سلطت مجموعة متنامية من الأبحاث الضوء على هذه المخاطر المزدوجة من خلال دراسة آثارها على الزراعة، وتقديم جملة من التوصيات للتخفيف من حدّتها. ومن بين هذه الأبحاث دراسة أجراها فريق من الباحثين التونسيين ونُشرت مؤخراً في الدورية العلمية Journal of the International Academy for Case Studies. وقدمت الدراسة نظرة مفصّلة حول كيفية إعادة تشكيل هذه العوامل للمشهد الزراعي في خمس دول من المنطقة، هي: تونس، والمغرب، ومصر، والأردن، ولبنان.
اعتمد الباحثون على تحليل البيانات المتوافرة بين عامي 2000 و2022 في الدول المشمولة بالدراسة، بهدف عزل الآثار المحددة لكل من درجات الحرارة، وهطول الأمطار، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون على الإنتاج الزراعي والتجارة الزراعية، وذلك وفق ثلاثة سيناريوهات مختلفة.
عوامل التأثير المناخي: درجات الحرارة، وهطول الأمطار، وانبعاثات الكربون
تؤكد النتائج التجريبية للدراسة ما كان يشتبه به العديد من الخبراء في مجال الزراعة في المنطقة منذ فترة طويلة، وهو أن «متغيرات المناخ ترتبط سلباً بإنتاجية المحاصيل والتجارة الزراعية». ويكشف التحليل، على وجه التحديد، عن وجود علاقة مباشرة وقابلة للقياس الكمي بين أنماط هطول الأمطار والإنتاجية الزراعية. فقد توصل الباحثون، من خلال تطبيق أحد نماذج المحاكاة، إلى أن إنتاجية الزراعة تنخفض ـ وإن كان ذلك بشكل طفيف ـ مع تراجع معدلات هطول الأمطار المرتبط بتغيّر المناخ.
ورغم أن هذا الانخفاض يبدو محدوداً، إلا أنه قد يُحدث تأثيرات اجتماعية واقتصادية عميقة في منطقة «تعاني من ندرة الموارد المائية وعدم تطور أنظمة الري بشكل كافٍ»، وفق ما يشير إليه مؤلفو الدراسة.
وتتوافق هذه النتائج مع تقارير سابقة للبنك الدولي أكدت الأثر المدمّر لانخفاض هطول الأمطار. وتشير تلك التقارير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد من أكثر مناطق العالم تأثراً بتغير المناخ، حيث يُتوقع أن تنخفض معدلات هطول الأمطار على سواحل البحر الأبيض المتوسط بنسبة تتراوح بين 10 و20% في حال ارتفاع درجات الحرارة بمقدار درجتين مئويتين. ويُبرز هذا الارتباط السلبي حجم الضغط الذي تتعرض له النظم الزراعية البعلية، التي تشكل نحو 70% من القطاع الزراعي في المنطقة.
وعلاوة على ذلك، ففي حين تشير بعض النماذج العالمية إلى أن زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون قد تعزز نمو المحاصيل عبر ما يُعرف بـ«تأثير التسميد»، وجدت هذه الدراسة نتائج معاكسة في سياق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إذ أظهر الباحثون أن «انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تحمل دلالة سلبية، وهي كبيرة إحصائياً عند مستوى 5%»، ما يشير إلى أن أي فوائد بيولوجية محتملة قد «تُحيد» بفعل الارتفاع المصاحب في درجات الحرارة القصوى وندرة المياه.
ورغم وجود دراسات عالمية تشير إلى مكاسب محتملة في غلة بعض المحاصيل تحت تأثير ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون، فإن «الإشارة السلبية» التي رصدتها هذه الدراسة الخاصة بالمنطقة القاحلة ترجّح أن تكون أكثر واقعية. وكما أشار البنك الدولي، فقد تنخفض غلة المحاصيل في المنطقة بنسبة تصل إلى 30% مع ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 1.5 إلى درجتين مئويتين، وهو ما يطغى على أي فوائد نظرية للتسميد بالكربون.
مفارقة الأسمدة: كثرتها تعني نقصان أثرها
من أكثر النتائج التي بدت متناقضة مع البديهة في هذا البحث تلك المتعلقة بالمدخلات الزراعية، إذ يُفترض عادة أن يؤدي استخدام الأسمدة إلى زيادة الإنتاج الزراعي. غير أن الدراسة كشفت عن وجود علاقة سلبية ذات دلالة إحصائية بين استهلاك الأسمدة والأداء الزراعي في بعض السيناريوهات.
ويعزو الباحثون ذلك إلى «سوء إدارة استخدام الأسمدة»، حيث يميل المزارعون في المنطقة إلى الإفراط في استخدام المدخلات الكيميائية في محاولة لتعويض تدهور جودة التربة. وبدلاً من تعزيز النمو، قد يؤدي هذا «الاستهلاك المفرط للأسمدة» إلى تدهور التربة عبر زيادة حموضتها واختلال توازنها الغذائي، ما يفضي في نهاية المطاف إلى انخفاض خصوبتها. وتسلط هذه النتيجة الضوء على قصورٍ حرج، إذ إن الزراعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تتأثر بتغيرات المناخ فحسب، بل تتأثر أيضاً بممارسات إدارة الموارد الزراعية نفسها.
ويُعد هذا الاستنتاج بالغ الأهمية، وهو ما تؤكده بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، التي تشير إلى أن نحو 46 مليون هكتار من الأراضي الزراعية في المنطقة العربية تعاني من التدهور، مع ذكر «الاستخدام المفرط للأسمدة» كأحد العوامل الرئيسية إلى جانب التملح.
المرونة الاقتصادية: العامل البشري ورأس المال والميزان التجاري
على الرغم من التحديات البيئية المتزايدة، تحدد الدراسة مسارات واضحة لتعزيز المرونة الزراعية. فقد أظهرت المتغيرات الاقتصادية، مثل إجمالي تكوين رأس المال الثابت (GFCF) ورأس المال البشري (HC)، ارتباطات إيجابية قوية بالقيمة المضافة الزراعية.
وتشير البيانات إلى أن البلدان التي تعزز استثماراتها في القطاع الزراعي تشهد «زيادات ملحوظة في المحاصيل»، لا سيما من خلال تطوير تقنيات الري واعتماد ممارسات الزراعة المستدامة. كما تُبرز الدراسة أهمية القوى العاملة المتعلمة، حيث تبين أن زيادة بنسبة 1% في الغلة الزراعية خلال عام معين تؤثر إيجاباً وبنسبة مماثلة تقريباً على الإنتاج الزراعي في العام التالي، ما يدل على أن تراكم المعرفة والخبرة (رأس المال البشري) يشكل دافعاً أساسياً للاستقرار الزراعي.
ولا يقتصر تأثير تغيّر المناخ على حدود المزرعة، بل يمتد ليشمل الميزان التجاري الوطني. فقد أكدت الدراسة وجود أثر سلبي كبير لارتفاع درجات الحرارة على التجارة الزراعية. ومع تراجع الإنتاج، قد تواجه دول مثل تونس والمغرب، التي تعتمد على صادرات زراعية محددة، تهديداً مزدوجاً يتمثل في فقدان عائدات التصدير وزيادة الاعتماد على الواردات الغذائية لتلبية احتياجات سكانها. ويحذر الباحثون من أن دولاً اعتادت تصدير محاصيل معينة قد تجد نفسها مضطرة إلى استيرادها نتيجة هذا التقلب المناخي.
وكانت دراسات سابقة قد أشارت إلى أن عدم الاستقرار الزراعي الناجم عن تغيّر المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يضر بالموازين التجارية فحسب، بل يعمل أيضاً بوصفه «مضاعفاً لمخاطر الجوع»، الأمر الذي قد يسهم في تفاقم النزاعات في الدول الهشة أصلاً، مثل العراق وسوريا.
توصيات للتخفيف من المخاطر
للتخفيف من حدة المخاطر المحددة، يدعو مؤلفو الدراسة إلى تبنّي الزراعة الذكية مناخياً عبر استخدام تقنيات تقلل الانبعاثات وتُحسّن الإنتاجية في آن واحد، إلى جانب تحسين إدارة الموارد المائية من خلال اعتماد الري بالتنقيط وحصاد مياه الأمطار، بما يسهم في فصل الإنتاج الزراعي عن تقلبات هطول الأمطار. كما يشددون على أهمية الاستثمار في البنية التحتية للتخزين والنقل بهدف تقليل خسائر ما بعد الحصاد، وهو ما من شأنه التخفيف من آثار تراجع المحاصيل.
.
المراجع
– Climate Change and Agriculture in MENA Countries: Impacts and Strategies of Mitigation
– Climate change in MENA : challenges and opportunities for the world’s most water stressed region
تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com
حماية موارد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تغيّر المناخ