.
لم يكن عام 1953م عامًا عاديًا في تاريخ العلم. ففي ذلك العام، وداخل مختبر صغير في جامعة كامبريدج، انكشفت إحدى أعظم أسرار الطبيعة: بنية جزيء الحمض النووي (DNA). لم يكن الكشف مجرد إضافة إلى مكتبة البيولوجيا، بل كان نقلة معرفية كبرى تماثل في أثرها اكتشاف النار أو اختراع الكتابة. فهنا لم نعد نرى الحياة ظاهرة غامضة تعتمد على الحدس والفلسفة، بل صارت لغة قابلة للقراءة والفهم والتحليل.
هذا الإعلان لم يكن مجرد بحث علمي، بل لحظة ميلاد حقيقية لعلم الوراثة الحديث. ومن بين صُنّاع تلك اللحظة التاريخية يبرز اسم جيمس ديوي واتسون (James Dewey Watson؛ 1928–2025م) الذي رحل عن عالمنا في السادس من نوفمبر 2025م، بعد عمر ناهز سبعةً وتسعين عامًا، قضى معظمه بين المختبر والجدل والمنصة والمناظرة. ترك واتسون إرثًا علميًا عظيمًا لا يمكن تجاهله، لكنه خلّف أيضًا تساؤلات أخلاقية وفكرية لا يمكن المرور عليها مرورًا عابرًا. هذه هي قصة رجل ساهم في قراءة لغة الحياة، لكنه ظل طوال حياته يتساءل: ماذا نفعل بهذه المعرفة؟ ولأي هدف تُستخدم؟
البدايات: من شيكاغو إلى كامبريدج
وُلد جيمس واتسون في مدينة شيكاغو الأمريكية عام 1928م. كان طفلاً نحيفًا، يميل إلى العزلة، ويقضي ساعات في مراقبة أسراب الطيور، لذلك كان اهتمامه الأول في العلم متعلقًا بعلم الطيور (Ornithology). لكن سرعان ما جذبه عالم الوراثة، الذي كان في منتصف القرن العشرين يعيش مخاضًا عميقًا: فقد كان العلماء يعرفون أن الصفات تُورث، ولكن ما الذي يحمل هذه الصفات؟ وما مادتها؟ وكيف تنتقل؟
كان هذا السؤال الشغف الأكبر لواتسون. وفي سن مبكرة حصل على الدكتوراه، ثم سافر إلى جامعة كامبريدج، حيث التقى فرانسيس كريك (Francis Crick؛ 8 يوليو 1916–28 يوليو 2004م)، رفيق الرحلة وشريك المجد والجدل. كان هناك أيضًا موريس ويلكنز (15 ديسمبر 1916–5 أكتوبر 2004م) والعالمة المتفرّدة روزاليند فرانكلين (25 يوليو 1920–16 أبريل 1958م)، التي التقطت الصورة الشهيرة Photo 51 التي أظهرت البنية الحلزونية للجزيء. تلك الصورة، التي لم تُمنح صاحبتها حقها في حينها، كانت المفتاح الحقيقي للكشف.
حين كُشف اللغز 1953
في ربيع عام 1953م، نشر واتسون وكريك ورقتهما البحثية الشهيرة في مجلة Nature. كان أول سطر فيها يقول بهدوء: “We wish to suggest a structure for the salt of deoxyribose nucleic acid.”
“نودّ أن نقترح تركيبًا لجزيء الحمض النووي.”، لم يكن أحد يتخيل أن هذه الجملة ستُعيد صياغة مفهوم الحياة على الأرض كلها. اللولب المزدوج لم يكن شكلاً هندسيًا فحسب، بل نظام كتابة. لقد اكتشف واتسون ورفاقه أبجدية الحياة: A – T – C – G، أربع حروف فقط، لكنها حين تتكرر وتتجاور وتشكل تسلسلات، تُنتج الإنسان، والجهاز العصبي، والذاكرة، والأمراض، والإمكانية، والمصير البيولوجي. كانت تلك اللحظة تحريرًا للفكر العلمي، ونقطة تحول لا تُقارن إلا باكتشاف قوانين الجاذبية أو بنية الذرة. وبعد عشر سنوات، مُنح واتسون وكريك وويلكنز جائزة نوبل. أما روزاليند فرانكلين، فقد ماتت مبكرًا عام 1958م، ولم تُمنح التكريم الذي تستحقه. وهذه قصة أخلاقية عميقة في تاريخ العلم: فالمعرفة تُبنى أحيانًا على جهود خفية لا يلتفت إليها الضوء.

من نموذج الجزيء إلى مشروع قراءة الإنسان
لم يقف واتسون عند الحدود النظرية، بل اتجه لقيادة واحدة من أعظم المغامرات العلمية في القرن العشرين: مشروع الجينوم البشري (Human Genome Project). هذا المشروع لم يكن مجرد دراسة، بل كان محاولة لفكّ كامل كتاب الإنسان — ثلاثة مليارات حرف جيني. كان المشروع إعلانًا جريئًا بأن العلم صار قادرًا على قراءة الأمراض قبل ظهورها، وتحديد الاستعدادات الوراثية، وإمكانية العلاج الجيني، والتمييز بين الطفرات العشوائية والاختيارية. وهكذا وُلدت مفاهيم: الطب الشخصي (Personalized Medicine)، والهندسة الوراثية الحديثة، وعلم الجينوم المقارن، والتحليل الجيني للأجنة، والوراثة السكانية (Population Genomics). لقد كان واتسون جزءًا من اللحظة التي انتقل فيها العلم من ملاحظة الحياة إلى إعادة كتابتها.
لكنّ رحلة واتسون لم تكن مجدًا خالصًا. ففي سنواته الأخيرة أدلى بتصريحات حول الذكاء والأعراق، حاول فيها الربط بين التفوّق أو التخلّف وعوامل وراثية مباشرة. وقد قوبلت هذه التصريحات برفضٍ علميٍّ واسع، لأنها تبسّط ذكاء الإنسان في مجموعة محدودة من الجينات، بينما نعلم اليوم أنه ظاهرة معقدة تتداخل فيها مئات الجينات مع عوامل البيئة والثقافة والتعليم والتنشئة.
1- كما تغفل هذه التصريحات دور التفاعل الاجتماعي في بناء القدرات الإنسانية.
2- وتستدعي تاريخًا مظلمًا من سياسات التمييز الجيني.
وقد أدّت تلك التصريحات إلى سحب مناصبه الفخرية عام 2019م، ليتحوّل واتسون من بطلٍ علميٍّ إلى نموذجٍ تحذيريٍّ يذكّر بأنّ حتى أعظم العقول قد تخطئ حين تختزل الإنسان إلى معادلةٍ جينيةٍ جامدة. وهنا يبرز المغزى الأخلاقي العميق: أنّ العلم، مهما اتسع أفقه، لا يكتمل من دون حكمة.
كيف نقرأ إرث واتسون اليوم؟
من جهة:
• لقد ساهم في فهم الحياة نفسها.
• وفتح الباب أمام علاجات أنقذت ملايين البشر.
• وضع الأساس لهندسة الجينات وعلم الجينوم المعاصر.
ومن جهة أخرى:
• ذكّرنا بأن المعرفة قوة.
• وأن القوة تحتاج إلى مسؤولية.
• وأن الحديث عن الإنسان لا يمكن فصله عن الكرامة والحرية والوعي.
خاتمة وخاطرة وراثية
رحل جيمس واتسون عن عالمنا، تاركًا وراءه كتابًا مفتوحًا لا نزال نقرأه ونختلف حوله. بقي السؤال الأعمق: إذا عرف الإنسان لغة الحياة، فهل سيستخدمها لبناء حياة أكرم؟
إن الوراثة ليست مجرد جينات، إنها قصة الكائن الحي: ضعفه، قوته، احتماله، واستعداده للارتقاء أو الانحدار. الإنسان أكثر من DNA؛ الإنسان وعي، والوعي هو الذي يقرر كيف نكتب مستقبل الحياة.
.
البريد الإلكتروني للكاتب: k.z.ahmed@minia.edu.eg
دكتور قاسم زكي أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية العلمية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الأثريين المصريين.