.
أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم عن فوز العالم العربي البروفيسور عمر ياغي أستاذ الكيمياء بجامعة كاليفورنيا بيركلي بجائزة نوبل في الكيمياء لهذا العام ليكون بذلك ثالث عالم عربي يحصل على هذه الجائزة المرموقة بعد العالم المصري الدكتور أحمد زويل عام 1999 والتونسي منجي باوندي عام 2023. وفاز ياغي بالجائزة مع العالم الياباني سوسومو كيتاغاوا من جامعة طوكيو، والعالم الأسترالي ريتشارد روبسون من جامعة ميلبورن، تقديرا لجهودهم في تطوير المعروفة باسم “الأطر المعدنية العضوية”(MOFs).
طور ياغي مركبات “الأطر المعدنية العضوية” الثورية التي لها تطبيقات واسعة في عدة مجالات مثل حصاد مياه من الهواء ومكافحة تغير المناخ ومعالجة تلوث المياه وتخزين الطاقة والغازات
هذه المواد الثورية، التي تشبه الإسفنج الجزيئي بتصميماتها القابلة للتخصيص، ساهم العالم الأردني بشكل أساسي في تطويرها وتوسيع مجال تطبيقاتها بدءا من احتجاز الكربون ووصولا إلى إنتاج مياه الشرب في الصحراء. ولم يكتف ياغي بإتقان تصنيع هذه الهياكل المجهرية فقط، بل أسس من خلالها مجالا كيميائيا جديدا كليا، حيث يمكن للعلماء الآن بناء مواد بلورية بدقة وكفاءة لم يسبق لهما مثيل.
تتكون هذه “الأطر” من أيونات معدنية تشكل “العقد” أو “الزوايا”، متصلة بجزيئات عضوية “الفواصل” أو “المواد الرابطة”. يشكل هذا الهيكل بنية ثلاثية الأبعاد صلبة ومسامية للغاية، مما يخلق تجاويف أو قنوات داخلية ذات أحجام هائلة. يمكن أن تعادل المساحة السطحية الداخلية الإجمالية لبضعة غرامات من بعض الأطر العضوية المعدنية مساحة ملعب كرة قدم. تكمن إمكاناتها الك
املة في هذه “القطع” الجزيئية: فهي قادرة على احتجاز الجزيئات وتخزينها وفصلها أو تحفيزها بانتقائية مذهلة.
من هو البروفيسور ياغي؟
البروفيسور عمر ياغي هو أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. ولد في عمان بالأردن، عام 1965 لأسرة فلسطينية الأصل من قرية المسمية في قضاء غزَّة، ويحمل إلى جانب جنسيته الأردنية الجنسيتين السعودية والأمريكية. نشأ في العاصة الأردنية عمان في أسرة كبيرة العدد وكانت المدرسة ملاذه الآمن. في أحد الأيام، وهو في العاشرة من عمره، دخل مكتبة المدرسة، التي عادة ما تكون مغلقة، وعثر بالصدفة على كتاب مليء بصور آسرة وغامضة: كانت هذه أول تجربة له مع البنى الجزيئية.
أُرسل إلى الولايات المتحدة للدراسة في سن الخامسة عشرة، ونما لديه شغف بالكيمياء، لكنه شعر بالإحباط من الطرق التقليدية التي وجدها غير متوقعة. وهناك حلم بكيمياء أكثر تحكما تُمكن من تجميع وحدات البناء الجزيئية، مثل قطع الليغو، لبناء مواد مصممة خصيصا.
حصل ياغي على درجة البكالوريوس في الكيمياء من جامعة ولاية نيويورك، ألباني عام 1985، ثم على درجة الدكتوراه من جامعة إلينوي، وزمالة ما بعد الدكتوراه في جامعة هارفارد. بدأ حياته المهنية عام 1992 كأستاذ مساعد في جامعة ولاية أريزونا، وهناك عمل على تحويل حلمه إلى حقيقة، ففي عام 1995، نشر كتابه “بنية المواد ثنائية الأبعاد”، وفيه صاغ المصطلح الرائد “الإطار المعدني العضوي” (MOF).قبل أن ينتقل إلى جامعة ميشيغان في آن أربور كأستاذ للكيمياء في عام 1999، ثم التحق بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس في عام 2006 كأستاذ للكيمياء وأستاذ كرسي جان ستون في العلوم الفيزيائية.
الطريق إلى نوبل
كما هو الحال غالبا في العلوم، بدأت نشأة الأطر المعدنية العضوية بفكرة بسيطة، ففي عام 1979، كان ريتشارد روبسون، المحاضر آنذاك في جامعة ملبورن بأستراليا، يعدّ مقررا في الكيمياء الكلاسيكية. وبينما كان يُجمّع نماذج جزيئية مصنوعة من كرات خشبية (الذرات) وقضبان (الروابط الكيميائية)، تجلّى له أمر ملفت. كان موقع الثقوب المحفورة في الكرات أهم عامل يُحدّد الشكل النهائي للجزيء. فتساءل: ماذا لو استخدمنا هذه الهندسة ليس لربط الذرات المنفردة، بل لتجميع جزيئات كاملة في بنية أكبر وأكثر تنظيما؟
استغرق الأمر أكثر من عقد من الزمان حتى تنضج هذه الفكرة، وفي عام 1989، نشر روبسون نتائجه بعد دمج أيونات النحاس مع جزيء عضوي رباعي الأذرع، وحصل على بلورة شبيهة بالماس مليئة بتجاويف لا تحصى. لمح روبسون الإمكانات الهائلة لهذه الطريقة الجديدة في بناء المادة، لكن ابتكاراته كانت غير مستقرة وسهلة الانهيار.
هنا برز دور سوسومو كيتاغاوا وعمر ياغي، فبعملهما المستقل، حوّلا حدس روبسون إلى مجال علمي رصين، حيث حقق سوسومو كيتاغاوا، من جامعة كيوتو في اليابان في عام 1997، إنجازا كبيرا بإنشاء أطر عضوية معدنية مستقرة ثلاثية الأبعاد تتقاطع فيها قنوات مفتوحة. تستطيع هذه المواد امتصاص غازات مثل الميثان أو الأكسجين ثم إطلاقها دون أن ينهار هيكلها. والأهم من ذلك، أن كيتاغاوا كان أول من وضع نظرية وأثبت مرونة الأطر المعدنية العضوية. فعلى عكس الزيوليت (المواد المسامية الصلبة المعروفة سابقا)، يمكن للأطر العضوية المعدنية تغيير شكلها وحجمها حسب طبيعة الجزيئات التي تستضيفها مثلها مثل الرئة خلال عملية التنفس.

يمكن للأطر العضوية المعدنية تغيير شكلها وحجمها حسب طبيعة الجزيئات التي تستضيفها (المصدر: موقع جائزة نوبل)
عمر ياغي مهندس كيمياء الشبكات
بينما ابتكر روبسون الفكرة، ووفر كيتاغاوا الاستقرار والمرونة، كان عمر ياغي هو من نظّم هذا المجال وارتقى به إلى تخصص قائم بذاته.
حقق عمر ياغي إنجازه الكبير عام 1999 بابتكار مادة (MOF-5) التي تتميز بثباتها ومساميتها الاستثنائيين. وبفضل قدرته على تحمل درجات حرارة تصل إلى 300 درجة مئوية حتى في حالة الفراغ، أذهل هذا المركب المجتمع العلمي بمساحته السطحية الداخلية، حيث يحتوي غرامان فقط من هذه المادة على مساحة سطح تعادل مساحة ملعب كرة قدم. وتتجاوزت قدرة امتصاص الغاز هذه بكثير أي مركب معروف قبل ذلك التاريخ.
لكن مساهمة ياغي الأساسية كانت تلك التي نشرها بين عامي 2002 و2003، فقد أثبت إمكانية تعديل الأطر المعدنية العضوية بطريقة منطقية وقابلة للتنبؤ. فبمجرد تغيير طول “الفواصل” العضوية، أنتج عائلة من 16 نوعا مختلفا من MOF-5، لكلّ منها تجاويف بأحجام مختلفة، وبالتالي خصائص قابلة للتعديل. وهكذا وُلد “الليغو الجزيئي”.
لم يتوقف ياغي عند هذا الحد، بل وضع مفهوما لهذا المجال الجديد وأطلق عليه اسم “كيمياء الشبكات”، والذي عرّفه بأنه “تجميع وحدات البناء الجزيئية في هياكل ممتدة بواسطة روابط قوية”. ووسّع ياغي نطاق هذا المفهوم ليشمل عائلات أخرى من المواد، مثل الأطر التساهمية العضوية (COFs) وأطر إيميدازولات الزيوليت (ZIFs). وقد حفّز نهجه النمو الهائل في ابتكار مواد جديدة، وهو تنوع لم يكن معروفا من قبل في الكيمياء. وبفضل هذه الاسهامات الرائدة، حصل العالم الأردني على عدد من الجوائز المرموقة قبل فوزه بجائزة نوبل بوقت طويل، بما في ذلك جائزة وولف وجائزة ألبرت أينشتاين وانتخابه عضوا في الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم، مما جعله من بين أكثر الكيميائيين استشهادا بأعمالهم في العالم.
تطبيقات تُغير العالم
تكمن أهمية أعمال الفائزين الثلاثة في الإمكانات شبه اللامحدودة للمواد التي ابتكروها، لم تعد الأطر العضوية المعدنية مجرد مركبات مختبرية مثيرة للإعجاب، بل أصبحت أحد المواد الأساسية التي يمكن استخدامها لتقديم حلول ملموسة لمشاكل رئيسية، مثل حصاد مياه الصحراء و مكافحة تغير المناخ و معالجة تلوث المياه وتخزين الطاقة والغازات.
في مجال حصاد مياه الصحراء، طورت مجموعة ياغي البحثية جهازا يعتمد على مركب (MOF-303) . يقع الجهاز في صحراء أريزونا ويلتقط الرطوبة من الهواء طوال الليل، وعند تسخينه بأشعة الشمس الصباحية، يُطلق ما حصدة من الرطوبة على شكل ماء سائل صالح للشرب، مما يبشر بحدوث ثورة محتملة لتوفير المياه الصالحة للشرب وللزراعة في المناطق القاحلة.
وفي مجال مكافحة تغير المناخ، أظهرت الأطر العضوية المعدنية، مثل (CALF-20) ، قدرة استثنائية على احتجاز ثاني أكسيد الكربون، وتجري بعض الشركات اختبارات لاستخدامها على نطاق واسع لاحتجاز انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من المصانع ومحطات الطاقة.
كما أظهرت أنواع أخرى من مركبات الأطر العضوية المعدنية مثل (MOF UiO-67) قدرة واعدة على معالجة تلوث المياه من خلال امتصاص الملوثات التي يصعب إزالتها من الماء. ويمكن لأنواع أخرى، مثل (MIL-101)، تحفيز تحلل بقايا البترول أو المضادات الحيوية.
وصمم مركب (NU-1501) لتخزين كميات كبيرة من الهيدروجين عند الضغط المحيط، وهي خطوة حاسمة في تطوير مركبات تعمل بالهيدروجين أكثر أمانا. وفي صناعة الإلكترونيات، تُستخدم الأطر العضوية المعدنية بالفعل لاحتواء الغازات السامة اللازمة لتصنيع أشباه الموصلات.
كما تستخدم مركبات الأطر العضوية المعدنية في العديد من المجالات الأخرى مثل توصيل الأدوية إلى الأعضاء المُستهدفة إلى الجسم، وتحفيز التفاعلات الكيميائية، واستخلاص العناصر الأرضية النادرة من مياه الصرف الصحي، مما جعل بعض الباحثين يُطلقون على الأطر العضوية المعدنية اسم “مادة القرن الحادي والعشرين”.
.
المراجع
https://www.nobelprize.org/prizes/chemistry/2025/popular-information/
https://www.nobelprize.org/prizes/chemistry/2025/press-release/
https://yaghi.berkeley.edu/bio.html
https://arsco.org/articles/article-detail-16199/
.
تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com
.
نوبل للفيزياء 2025 تذهب لكمية الأجسام الكبيرة