مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

المجتمع العلمي يدقّ ناقوس الخطر في غزة

في مواجهة المجاعة والإبادة
الكاتب

الصغير محمد الغربي

كاتب علمي

الوقت

11:09 صباحًا

تاريخ النشر

17, سبتمبر 2025

.

مع تعمق الأزمة الإنسانية في قطاع غزة الذي يتعرض إلى عدوان مستمر منذ ما يقرب السنتين بهدف دفع السكان إلى الهجرة قسرا عبر سياسة ممنهجة للتقتيل والتجويع وتدمير البنى التحتية، تبرز بشكل متزايد أصوات العلماء والباحثين من خلال صفحات أعرق المجلات العلمية التي تصف ما يحدث بكونه تجويع ممنهج وإبادة جماعية. وفي مواجهة التقاعس السياسي، رفع المجتمع العلمي والطبي الدولي صوته، مُسلّحا ببيانات دامغة ومطلقا نداء للتحرك.

وفي هذا السياق، يصوّر تقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) الأخير ومقالة نشرها مؤخرا مجموعة من العلماء في دورية (The Lancet Regional Health – Europe) ومقالة ثانية في دورية (International Journal of Infectious Diseases)، المشهد القاتم في غزة المنكوبة في ظل الانهيار التام والإفلاس الأخلاقي الجماعي العالمي.

تشريح كارثة مُتوقّعة

تتمثّل نقطة انطلاق هذه الصحوة في مجتمع العلمي في الملاحظة الواقعية الصارخة التي أوردها تحذير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في يوليو 2025. التقرير كان قاطعا في توصيف ما يحدث بكونه “أسوأ سيناريو للمجاعة”. الأرقام الصادمة تُظهر حجم التدمير المنهجي للحياة في غزة: قرابة 60 ألف شهيد، و70% من البنية التحتية مدمرة، وسكانٌ محاصرون بالكامل دون غذاء ولا دواء ولا مأوى،  88% من الأراضي أصبحت منطقة عسكرية أو خاضعة لأوامر إخلاء، مما أجبر قرابة مليوني شخص على التكدس في مساحة تمثل أقل من 12% من مساحة قطاع غزة.

أصبح الجوع سلاحا حربيا وواقعا يوميا وفق التقرير، حيث يعيش نصف مليون شخص في ظروف مجاعة مؤكدة (المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي). ويقضي واحد من كل ثلاثة أشخاص أياما كاملة دون طعام، وصار البحث عن الطعام عملا مميتا: فقد قُتل أكثر من 1000 شخص أثناء محاولتهم الحصول على الإمدادات. انهار نظام الرعاية الصحية، ركيزة أي مجتمع، حيث تُقصف المستشفيات بشكل مباشر مما أدى إلى قتل أو جرح أكثر من 2600 عامل في الرعاية الصحية، وإلى موت المرضى بسبب نقص الرعاية. وفي هذا الوضع القاتم يتفاقم سوء التغذية الحاد، ويصل إلى حد المجاعة بين أطفال مدينة غزة بنسبة 16.5%. وبات الحصول على المياه النظيفة حلما بعيد المنال بالنسبة لـ 95% من السكان، مما يُمهد الطريق لأوبئة مدمرة. المساعدات الإنسانية، التي تُقدم كحل، وصفها التقرير بكونها مجرد خدعة في الواقع وقد فشلت في وقف موجة المعاناة، بسبب عرقلتها وعسكرتها وعدم كفايتها إلى حد كبير.

الحكم العلمي: جريمة ضد الإنسانية

في مواجهة هذا السيل من البيانات، لم يعد المجتمع العلمي يكتفي بإحصاء القتلى وقياس معدلات سوء التغذية، بل أصبح يسمي الأشياء بمسمياتها ويُصنفها بما يليق ببشاعتها وعدم انسانيتها. المقالات المنشورة في مجلة لانسيت والمجلة الدولية للأمراض المعدية تُحوّل الإحصاءات إلى لائحة اتهام، ويؤكد مؤلفوها، وهم أكاديميون وأطباء مرموقون، أن هذه الكارثة ليست حادثا عرضيا، بل نتيجة سياسة وحشية متعمدة من قبل الحكومة الإسرائيلية.

اللغة المستخدمة في المقالتين مباشرة وغير مسبوقة مثل: “إبادة جماعية”، “تواطؤ”، “مجاعة من صنع الإنسان”، “تعذيب مجتمعي”. يستنكر الباحثون استخدام المجاعة كسلاح، والاستهداف الممنهج للبنية التحتية الصحية، وحصار المساعدات، باعتبارها انتهاكات صارخة للقانون الإنساني الدولي، مستحضرين بذلك إبادات جماعية سابقة مثل تلك التي حدثت  رواندا وبيافرا القاتمة.

علاوة على ذلك، يشير هؤلاء العلماء إلى فشل المجتمع الدولي، حيث ينتقد مقال لانسيت “صمت” و”تواطؤ” الحكومات الأوروبية، التي يتناقض تقاعسها بشكل صارخ مع تعبئتها في صراعات أخرى، مثل أوكرانيا. ويذهب المقال المنشور في المجلة الدولية للأمراض المعدية إلى أبعد من ذلك، مؤكدا أن مأساة غزة تمثل “انهيارا لأخلاقيات الصحة العالمية”، من خلال السماح بانتهاك أهداف التنمية المستدامة – القضاء على الجوع (الهدف الثاني)، والصحة الجيدة (الهدف الثالث)، والمياه النظيفة (الهدف السادس) – بشكل صارخ يُفقد المجتمع الدولي التزامه بعالم أفضل كل معناه. وتُصبح غزة رمزا لخيانة وعد عالمي.

دعوة عاجلة لإنهاء التواطؤ

لا يقتصر دور المجتمع العلمي على التشخيص، لذلك وضع مؤلفو المقالتين سلسلة من التوصيات الواضحة والعاجلة، وخطة عمل للخروج من هذا الوضع المرعب. وتدور هذه التوصيات، حول عدة محاور مترابطة أبرزها:

1- العمل الإنساني الفوري: الأولوية القصوى هي وقف إطلاق نار فوري وغير مشروط ودائم. وفي الوقت نفسه، من الضروري فتح ممرات إنسانية آمنة ودون عوائق، بتنسيق من وكالات محايدة مثل الأمم المتحدة، لإيصال كميات كافية من الغذاء والدواء والوقود والماء.
2- المساءلة السياسية والقانونية: يحث العلماء الدول، وخاصة أوروبا، على الانتقال من الأقوال إلى الأفعال. ويشمل ذلك الاعتراف رسميا بالمجاعة والإبادة الجماعية، ووقف جميع الصادرات العسكرية والتعاون الاستخباراتي مع إسرائيل، وإعادة التمويل بالكامل لوكالات الأمم المتحدة، بما فيها الأونروا، المؤهلة لإدارة أزمة بهذا الحجم.
3- الدفاع عن القانون الدولي: يؤكد النداء على ضرورة حماية المؤسسات القانونية الدولية ودعم التحقيقات في انتهاكات القانون الإنساني لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.

تسعى مثل هذه المقالات إلى تحويل صوت المجتمع العلمي والطبي الأزمة الإنسانية إلى قضية ضمير عالمي. ومن خلال نشر البيانات المتاحة وتحليل آليات حصول الكارثة، وتحديد المسؤوليات، يزيل العلماء جميع أعذار التقاعس ويُذكّرون العالم بأن كل يوم تأخير يعمّق التواطؤ فيما سيبقى أحد أكبر الإخفاقات الأخلاقية والإنسانية في عصرنا. الرسالة واضحة: الحياد لم يعد ممكنا ولا الصمت خيارا.

.

المراجع

– IPC ALERT: Worst-case scenario of Famine unfolding in the Gaza Strip

– Gaza and the collapse of global health ethics: the forgotten mandate of Sustainable Development Goals

– Europe must act: a unified call to end complicity in the Gaza famine and genocide

.

تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

مصدر الصورة: (متاحة للاستخدام)

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/0/0a/A_girl_walks_inside_Gaza_during_the_Gaza-Israel_war_to_get_food.png

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x