مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

احتفالات أعياد الميلاد في مدار القمر

الكاتب

د/ أحمد بن حامد الغامدي

جامعة الملك سعود - الرياض - المملكة العربية السعودية

الوقت

03:30 صباحًا

تاريخ النشر

25, ديسمبر 2018

اليوم الثلاثاء الخامس والعشرون من شهر ديسمبر هو يوم بالغ الأهمية في تاريخ البشرية، ليس لأنه يوافق ذكرى تاريخ ميلاد السيد المسيح عليه السلام (فطوائف الديانة المسيحية مختلفة أصلاً في تحديد موعده) كما إننا في هذا اليوم الوثني القديم لتكريم الشمس نرغب في أن نحرف الانتباه بعيداً عن الشمس لكي نحتفل بالقمر. في مثل هذا اليوم وقبل خمسين سنة أشرقت (بشارة عهد جديد) في مسيرة الحضارة الإنسانية حيث حصل لأول مره أن وصل أفراد من الجنس البشري لعالم جديد غير كوكب الأرض.

في يوم الأربعاء 25 من شهر ديسمبر لعام 1968م وصلت مركبة الفضاء الأمريكية أبولو Apollo 8 إلى مدار القمر وبهذا كان الرواد الثلاثة لتلك المركبة الفضائية أول البشر الذين انفصلوا بوسيلة علمية عن كوكب الأرض وداروا حول جسم سماوي خلاف وطننا الأرضي وشاهدوا الوجه المظلم والبعيد من سطح القمر. بالفعل كانت تلك قفزة كبيرة Giant Leap للبشرية (قبل القفزة الكبيرة التي ذكرها نيل أرمسترونغ عندما هبط على سطح القمر) لكنها بلا شك كانت تقدم مذهل لمسيرة العلم وترسيخ واضح لأثر العلماء في تشكيل مستقبل الإنسانية.

بعد عقود من التشكيك في اليقينيات الكبرى للأديان وبعد الشعور الزائف للبشر بالاستقلال في زمن العلم والتقنية ظهر ما يعرف (بعصر الإلحاد). لكن الغريب في الأمر أنه في وهج وصول البشرية إلى قمة التقدم العلمي لخروج البشر لأول مرة عن قبضة الأرض والوصول لمدار القمر كانت الأمم الإنسانية مع لحظة لقاء دراماتيكية مع الدين. عندما وصلت مركبة أبولو الفضائية للقمر وشرعت بالدوران حوله قررت وكالة الفضاء الأمريكية إيصال رسالة لسكان كوكب الأرض ولهذا طُلب من طاقم المركبة أن يرسلوا بث تلفزيوني لصور سطح القمر وكذلك لمنظر (شروق الأرض) Earthrise من أفق القمر. وهنا قرر طاقم المركبة أن تكون الرسالة الصوتية المرافقة للصور التلفزيونية تحوي على قراءة شيء مميز ويناسب الحدث وهنا تم الاتفاق على قراءة: الأجزاء الأولى من الإنجيل. مئات الملايين من سكان كوكب الأرض تفاجأوا في ذلك الوقت برائد الفضاء الأمريكي وليام أندرس وهو يقول بأنه وزملائه أعضاء طاقم المركبة يرغبون في توجيه رسالة إلى سكان الأرض. ثم بدأ وليام أندرس في تلاوة الآيات الأولى من سفر التكوين والذي يتحدث عن قصة الخلق ((في البدء خلق الله السماوات وأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه القمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن النور فكان النور …)) وبعد أن تناوب الرواد الثلاثة قراءة العشر الآيات الأولى من الإنجيل أعلن قائد المركبة الفضائية فرانك برومان انتهاء البث التلفزيوني وتوجه بالتهنئة لجميع من في الأرض (عيد ميلاد سعيد Merry Christmas).

بعد نصف قرن من تلك الرسالة العلمية/الدينية في عشية ليلة الميلاد ومن مدار القمر ما زال صدى ذلك الحدث يتردد حتى اليوم ويلقى إعجاب الأجيال الجديدة التي لم تشهد البث الحي لتلك الرسالة عبر الأثير من بروج السماء. ومع ذلك ينبغي أن نذكر أنه ليس الجميع تجاوب بعاطفة جياشة مع الاحتفال بعيد الميلاد من أجواء القمر فقد كانت ردة الفعل لبعض عتاة الملحدين في الولايات المتحدة رفع دعوى قضائية ضد وكالة الفضاء ناسا وضد الحكومة الأمريكية بأنها خالفت الدستور الأمريكي الذي ينص على فصل الدولة عن الكنيسة.

أول صلاة دينية على أرض القمر

إذا كانت رحلة المركبة الفضائية أبولو 8 دخلت التاريخ بكونها أول مركبة تدور حول القمر، فالحدث العلمي الأكثر أهمية في تاريخ البشرية حصل بعد ذلك بحوالي ثمانية أشهر عندما استطاع رواد الفضاء في مركبة أبولو 11 من الهبوط على سطح القمر وذلك في العشرين من شهر يوليو من عام 1969 ميلادي.  الجميع يعلم بأن رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ قد وضع بصمته (أو في الواقع دعسته) في كتب التاريخ عندما أصبح أول شخص يطأ بقدمه على سطح القمر وتوجد صورة مشهورة جداً لدعسة قدم على التربة الناعمة لأرض القمر لكنها في الواقع ليست له ولكنها للشخص الثاني الذي يطأ سطح القمر: رائد الفضاء بز ألدرن. صحيح أن بز ألدرن شخصية طاغية الشهرة بالنسبة للشعب الأمريكي إلا إنه للغالبية العظمى من سكان الأرض هو شخصية شبه مجهولة والمحزن حقاً أنه بالنسبة لعلاقته بالدين قليل جداً من يعلم بأنه أول من قام بأداء شعائر دينية على سطح القمر. وبحكم كون بز ألدرين من الناحية الدينية يتبع لكنيسة الطائفة المشيخية Presbyterian البروتسنتية فقد نشأ في أسرة متدينة ولهذا لم يكن من المستغرب أن يستغل مثل ذلك الحدث الكبير كالهبوط على القمر للتعبير عن تقديس الخالق القدير.

يقال بأن المكتشف الإيطالي المشهور كريستوفر كولومبوس من أوائل الأمور التي قام بها عندما نزل على أرض العالم الجديد أنه قام بأداء الطقوس التعبدية المسماة في الديانة المسيحية (بتناول العشاء الرباني) أو كما تعرف باسم سر المناولة Communion ويبدو أن هذا الأمر أصبح تقليداً لدى الرحالة والمستكشفين الأوروبيين يقومون به عند اكتشاف (أو احتلال) أي أرض أو بلاد جديدة. وعلى خطى الرواد من المستكشفين الأوائل رغب رائد الفضاء المتدين بز ألدرين أن يقوم بالطقوس الدينية لسر المناولة مباشرة بعد نزول مركبتهم الفضائية المسماة النسر على سطح القمر. منذ البدء كان بز ألدرين يخطط بشكل جيد لإضفاء الصبغة الدينية لهذه اللحظة فقد أخذ معه في تلك الرحلة الفضائية المواد التي يتم تناولها في تلك الطقوس الدينية (الخمر ورقائق الخبز التي ترمز لدم السيد المسيح وجسده) من القسيس راعي الأبرشية التي يتبع لها بز ألدرين. لقد كانت الخطة الأصلية في تصور بز ألدرين أن يتم إذاعة هذه الطقوس والصلاة الدينية عبر البث التلفزيوني لجميع سكان الأرض. ولكنه عندما عرض الأمر على المشرفين على برنامج رحلة أبولو في وكالة الفضاء ناسا رفضوا هذا المقترح بشكل حاسم خصوصاً بعد مشكلة الدعوى القضائية التي رُفعت عليهم قِبل الملحدين. ومع ذلك سُمح لبز ألدرين أن يقوم بهذه الطقوس الدينية داخل المركبة القمرية لكن بشرط أن تكون غير معلنة، كما أن زميله رائد الفضاء نيل أرمسترونغ اكتفى بالمشاهدة الصامتة له ولم يشاركه في صلاته الدينية تلك. لاحقاً، كتب بز ألدرين في مذكراته عن طقوس هذه الصلاة الفريدة: لقد سكبت القليل من الخمر في داخل كأس القربان الذي زودتني به كنيستي ولكن بسبب جاذبية القمر الضعيفة بدأ السائل في الالتفاف ببطء والخروج من الكأس. ثم بعد ذلك أخذ بز ألدرين في قراءة نص ديني مكتوب على بطاقة ورقية صغيرة ثم تناول وأكل رقاقات الخبز وبهذا كان أول طعام أو شراب يتم تناوله على سطح القمر هو طعام ذو صبغة دينية.

الجدير بالذكر أن الكنيسة المشيخية التي يتبع لها بز ألدرين وهي كنيسة Webster Prespyterian ما زالت حتى الآن تقيم احتفال سنوي في ذكرى تلك الحادثة الدينية المميزة.

الكتب (السماوية) تصل القمر

في العصور الحديثة يبدو من المستبعد جداً أن تسمح وكالة الفضاء الأمريكية لأي من رواد الفضاء العاملين بها أن يتحدث بشكل علني عن الأمور الدينية، ولكن شواهد كثيرة تدل على أن الجيل الأول من رواد الفضاء كانت لهم عاطفة دينية قوية. من أغرب ما يمكن ذُكر في هذا السياق أنه في عز برنامج أبولو للرحلات القمرية تم إنشاء ما يسمى رابطة مصلي أبولو Apollo Prayer League والتي أقامها قسيس وعالم من علماء ناسا وانضم لها عدد كبير من رواد الفضاء. ما ساعد في شيوع رابطة المصلين تلك أن هدفها المعلن كان إقامة الصلوات والأدعية الدينية لسلامة رواد الفضاء والعاملين في مختبرات ناسا. في الواقع، منذ إرهاصات برنامج أبولو أعلن رائد الفضاء الأمريكي إدوارد وايت أحد أعضاء طاقم رحلة أبولو واحد أنه سوف يأخذ معه نسخة من الإنجيل إلى القمر لكنه لم يتمكن من تحقيق ذلك بسبب مصرعه هو واثنين من زملائه أثناء التدريب لعمليات إطلاق مركبة الفضاء. وبسبب هذه الحادثة الخطيرة تم تعزيز فكرة إقامة الصلوات لحماية وضمان سلامة رواد الفضاء ولهذا سمحت وكالة الفضاء ناسا لرابطة مصلي أبولو APL بأن تنتج 100 نسخة الكترونية مصغرة من الكتاب المقدس الإنجيل (بالإضافة لعدة مئات من الأناجيل المصورة بهيئة ميكروفيلم). وبالفعل وبعد شيء من التأخير في تنفيذ هذا الأمر حصل في رحلة أبولو 14 حمل هذه النسخ المصغرة من الأناجيل على المركبة التي هبطت على سطح القمر. تلك النسخ 300 المصغرة من الإنجيل لاقت بعد ذلك شيوع واهتمام كبير وبيعت النسخة الواحدة منها بمبالغ مالية كبيرة، فلا شك أن العديد من (المؤمنين) يرغبون في القراءة والتعبد بنسخة من الإنجيل كانت على سطح القمر.

بقي أن نقول إنه بسبب الخطورة المحتملة لرحلات الفضاء على القمر (مركبة ابولو واحد احترقت على الأرض ورحلة ابولو 13 كادت تحترق في الفضاء وتم إعادتها للأرض في دراما بشرية تابعها مئات الملايين من سكان الأرض) ولهذا توجد لعالم الفضاء العربي المشهور أسامة الباز قصة جميلة تذكر في هذا الشأن. لقد شارك أسامة الباز في رحلة الفضاء القمرية ابولو 15 وبحكم أنه حصل بعض التعديل في تصميم تلك المركبة عما سبق شعر بعض رواد الفضاء بشيء من القلق من ضمان كامل السلامة على هذه المركبة الجديدة. وكما يذكر الدكتور أسامة الباز بأنه كانت له علاقة شخصية وحميمة قوية مع طاقم رواد رحلة أبولو 15 وكوسيلة إضافية لسبغ الطمأنينة على أجواء الرحلة الفضائية اقترح على أحدهم أن يأخذ معه صفحة سورة الفاتحة من القرآن الكريم وأنها سوف تضمن له سلامة الرحلة. وقد سمعتُ هذه القصة مباشرة من الدكتور أسامة الباز في إحدى محاضراته في مؤسسة الملك فيصل الخيرية.

وفي الختام وقبل أن نغادر سطح القمر يجدر التنبيه إلى عدم صحة الإشاعة المنتشرة بأن رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ قد سمع صوت الأذان على سطح القمر. الإشاعة الركيكة الإخراج تتخيل التالي: أنه عند زيارة نيل أرمسترونغ لمدينة القاهرة (أثناء جولته العالمية للاحتفال بكونه أول شخص يهبط على سطح القمر) سمع صوت الأذان يصدح من مساجد القاهرة، وعندما استفسر عن طبيعة هذا الصوت الذي لفت (سمعه) لأنه شبيه بالصوت الذي سمعه على القمر قيل له أن هذا هو صوت الأذان أحد أهم شعائر الإسلام ولهذا تأثر أرمسترونغ ودخل في دين الإسلام. كما هو معلوم لا يوجد غلاف جوي أو هواء على القمر ولهذا يستحيل انتقال الأصوات على سطح القمر. كما إن أرمسترونغ شخص ملحد لا ديني وسبق أن ذكرنا أنه لم يشارك بز ألدرين في صلاته الدينية على سطح القمر. كما يوجد مقطع مشهور لقسيس يطلب من أرمسترونغ أن يحلف على الإنجيل بأنه هبط على القمر وهو يرفض لأنه لا يؤمن بأن الإنجيل كتاب مقدس. ومن جانب آخر، لم يشتهر عن أرمسترونغ قيامه بتلك الجولة العالمية المزعومة لبلدان العالم كما لا يعرف عنه زيارته لمدينة القاهرة.

 

البريد الالكتروني للكاتب: ahalgamdy@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
0 التعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
guest

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x