للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

المضاعفات الصحية لحروب الخليج 5

ماهو عمق المأساة؟

الكاتب : د. مي رمزي الارناؤوط

طبيبة واكاديمية مستقلة - دكتوراه في السرطانيات

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    11:31 ص

  • تاريخ النشر

    28 يوليو 2015

الكاتبة اكاديمية مستقلة تماما بدون اي ارتباط  وظيفي او توجه سياسي وبدون اي تمويل مالي لاغراض هذه الدراسة التي يقصد به الامانة العلمية في توثيق الحقائق والمصلحة العامة كمبدأ.

5. ماذا عن المستقبل؟

في المقالات الاربع السابقة شرحنا التغييرات الحيوية المهمة التي حصلت في البيئة الخليجية منذ عام 1991  ولحد الان على اثرالتلوث البيئي المقصود اثناء النزاعات العسكرية في المنطقة خلال الربع قرن الماضي .

وكما ظهر من الطروحات السابقة التي وثقت بالبحوث والاحصائيات والتقاريرالعلمية والطبية فقد امتد التلوث منذ عامي 1991 و 2003  ولحد الان عبر الحدود الجغرافية بدون اي اعتبارللخلافات السياسية اولوجهات النظرالفردية الى كل انحاء المناطق المحيطة ليشمل البيئة الصحراوية والمدن المجاورة  وربما الى ابعد من هذا مسببا مشاكلا صحية بعيدة المدى. ومما لا شك فيه ايضا  انه على الرغم من قلة الاهتمامات الرسمية بهذه المشاكل الييئية والصحية المهمة بل ومحاولات نكران وجودها تماما الاان هذا لم يغيرمن حقيقة دخول الملوثات الى دورات الحياة  الطبيعية وتسربها الى النباتات والمرعى ولحوم الحيوانات ومياه الانهاروالاسماك ومياه الشرب.

هذا بالاضافة الى ان هذه التسربات الملوثة للبيئة والمضرة بالصحة لاتزال مستمرةالى هذه اللحظة بطبيعة الحال لان اكثرية  مصادرالتلوث لاتزال باقية في اماكنها طيلة هذه السنين. ولم يتغير عبر الربع قرن الماضي من شيء الا ان مراحل الظواهرالمرضية المسببة عنها  تحولت من الاطوارالانفجارية الحادة الى الاطوار الاستمرارية المزمنة بدون وجود اي تخطيط مستقبلي لكيفية مواجهة والتقليل من هذه الاضرارا لصحية على المدى البعيد. فمع ان البحوث والدراسات البيئية في المنطقة قد تدور حول مشكلة المياه وشحتها بصورة خاصة مثلا الا انها لا تهتم فيما اذا كانت هناك سيطرة مستمرة لنوعية هذه المياه وما اذا كانت هناك حلولا جدية للوقاية من تسرب الملوثات اليها وخاصة المياه الجوفية التي تعتبر مصدرا رئيسيا للكثير من سكان الصحراء وحيواناتهم .

وهناك ايضا بحوث بيئية  تحذرمن خطورة بقاء مخلفات الحرب الملوثة باليورانيوم في اماكنها وتتضمن توصيات عامة و حلول لازالة هذه المخلفات الا ان العقلية السياسية في حساب الاولويات تمنع حتى من اخذ هذه المحاولات بنظرالاعتباركما يبدو (1). هذا على الصعيد البيئي بصورة عامة اما على الصعيد الصحي بصورة خاصة فمن الواضح كما تقدم في المقالات الاربع السابقة ان المضاعفات الصحية لهذه الكارثة البيئية في المنطقة انعكست على السكان ومظاهر الحياة الاخرى باشكال متعددة تحمل توابع اجتماعية واقتصادية خطيرة كالعقم في الجنسين والتشوهات الجنينية  والتخلف العقلي وظهورالسرطانات بشكل وبائي . وان هذه المضاعفات الصحية تبقى هي الاخرى بدون اي اعتراف رسمي واضح وبدون اية حلول او حتى محاولات ايجابية جدية لتقييمها وذلك من قبل كل الاطراف المعنية. ولا يزال الاطباء ان لم يمنعوا من التصريح يشكون من استمرار الظواهر المرضية الناتجة عن التلوث البيئي الاشعاعي والكيمياوي .ولاتزال نتائج البحوث والدراسات غير مأخوذة بنظر الاعتبار.فالمتفائلون   يأملون ان تزول المشكلة تلقائيا وبشكل طبيعي وهذا لن يحدث الا بعد الاف السنين. اما القلة المسؤولة فلا تريد ان تعرف عن هذه المأساة شيئا اذ لم تتعد الردود الرسمية اكثرمن فتح سجلات لاحصاء السرطان و تعداد حالاته وهي تمر!

اماعن خدمات التشخيص والعلاج فهي فردية و(مستعارة)  سواء بارسال المرضى الى الخارج للعلاج او باستيراد الوسائل والخبرات الى الداخل بدون تخطيط  مستقبلي او دراسات وبحوث ابيديميولوجية محلية حتى عن طريق منظمة الصحة العالمية مثلا بشكل يهتم بهذه المشكلة بالذات و يتناسب مع حجمها وبصورة متأقلمة مع الظروف البيئية والصحيةغيرالاعتيادية للمنطقة كلها. وكمثال نذكرالافتقارالتام للسياسات الوقائية والتوعية الصحية العامة حول مصادرالتلوث (التي لا تزال  جاثمة على الارض وتحتها) ومواقعها وكيفية تفاديها والتوقي منها قدرالامكان مع ان هذاعلى اهميته ليس صعبا . فسياسات مجالس الصحة بصدد السرطانات لاتزال تشخيصية علاجية ماعدا بعض برامج مسح سرطان الثدي الايجابية ولكن هذه اتت ليس لانه اصبح مشكلة كبيرة بسبب التلوث البيئي وانما لان سياسة المسح الدوري تطابق المواصفات الصحية العالمية وتقلدها بدون اهداف اخرى بالذات. واذا وضعنا بنظرالاعتبارمن ناحية ان بلدان العالم الاخرى تخطط مستقبلا حسب اوضاعها الصحية  الداخلية الخاصة بها هي وليس حسب اوضاعنا الصحية الداخلية نحن ثم وضعنا من الناحية الاخرى حالات السرطان المتعددة والوبائية المستوى بسبب التلوث البيئي يصبح التقليد الاعمى لسياسات البلدان الاخرى الصحية واهمال التخطيط المباشر تأقلما مع ظروفنا الخاصة غريبا وغير منطقي على وضوح فائدته العامة في كل الاحوال.

 فالمشكلة تكمن في ان اكثرية المسؤولين في بلادنا لايزالون يربطون الاضرارالبيئية والصحية في السكان بالنزاعات السياسية التي ادت اليها. والحقيقة هي ان هذه الظواهر هي مضاعفات مأساوية بعيدة المدى لتلك النزاعات يجب ان تحتل اماكن مهمة في التخطيط على مستوى المنطقة ليست فقط لانها بحد ذاتها لن تزول بزوال تلك الخلافات ولكن لانها تخص الصحة العامة بشكل مباشر وجدي ايضا وعلى الاخص الضحا يا الابرياء لهذه الامراض .ولان هناك بالاضافة التأثيرات النفسية والاجتماعية على العوائل المتضررة وعلى الخدمات العامة كالضغوط غيرالمتوقعة على الهيئات الصحية وعلى الهيئة الاجتماعية والاقتصادية بشأن التكاليف مثلا. ولهذه الاسباب فانه من البساطة بمكان ان يعتقد البعض بانه ينبغي الانتظارلحل هذه المشاكل البيئية والصحية حتى تفض النزاعات اوتتغيرالحكومات او تستقر الامورفي المنطقة لانه لاتوجد علاقة مباشرة بين الاثنين الا بكون الثاني ضحية الاول وفي نفس الوقت تحت مسؤوليته الادارية. اما النزاعات فهي في كل مكان في العالم ولكنها لا تمنع الاخرين من العمل المشترك لمصلحة المواطن من كل الجوانب .ولننظر مثلا الى النزاعات الشديدة فيمابين دول الاتحاد الاوربي في هذا الوقت بالذات . واما السياسات فدائما متغيرة. واما التلوث البيئي واضراره الصحية فسيبقيان من الان فصاعداعنصرين مهمين يمثلان مشاكلا دائمية في المنطقة يتحتم معها التخطيط المستقبلي وايجاد حلول مناسبة بشأنها بغض االنظرعن الخلافات في اية حقبة من الزمان.

ويدلا من ان نستمر بالتطلع الى الغرب وتقليده والسير وراء سياساته التي تخصه هو بشأن هذه النفايات القاتلة متناسين سبب وجودها في المنطقة بداية, يتحتم على كل الاطراف المعنية ايجاد رصيف للعمل المشترك وتقريب وجهات النظر من الناحية العملية بحيث يمكن وضع خطة عمل واهداف مشتركة للحلول الانية والمستقبلية لمشاكل التلوث البيئية والصحية بغض النظرعن كل شئ اخر. وكبداية لتفادي الصمت حول الموضوع نذكرعن العالم باكمله ان السرطان يعدالان ولعدة سنين في مقدمة الامراض القاتلة غير المعدية في العالم . وحسب احصائيات منظمة الصحة العالمية التابعة لللامم المتحدة المعلنة عام  2015  فان حوالي 60% من الحالات العالمية تحدث في دول امريكا الجنوبية والشرق الاوسط . كما يتبين من هذه الاحصائيات بان حوالي 90-95% من حالات السرطان في العالم تعزى لاسباب بيئية يمكن تفاديها على الاكثر.اما ال 5 ـ 10% الباقية فتعزى لاسباب وراثية. وعليه فقد اصبحت  مكافحة السرطان والوقاية منه بتفادي ممسبباته البيئية ضمن اولويات واهداف منظمة الصحة العالمية حاليا وفي كل الاحوال (2).

اما في منطقتنا الموبوئة بالمرض لاسباب تتعلق بنفايات الحروب المشعة  فيتحتم البدء بالتخطيط الاضافي والمستقبلي ليس فقط بازالة المسببات (النفايات المشعة) باسرع وقت ممكن وانما بوضع خطط بيئية وصحية مشتركة تناسب خطورة المضاعفات البيئية والصحية على صعيد المنطقة كافة . فالتلوث البيئي المستمرفي منطقة الخليج لن يتغيرمطلقا اذا ما ازيلت بعض مخلفات الحرب المشعة موقعيا من بلد واحد وتركت كميات هائلة منها على بعد كيلومترات في بلد اخرمجاور. كما ان الاكتفاء بضم الاصوات الى منظمات اوربية وغربية تنادي برفع هذه النفايات لاسبابها الخاصة ليس الا تخاذل في التعبير المباشر عن هذه الاراء وتخفيفها بين الاف الاصوات الغريبة بدلا من التعبير بصوت عربي مستقل واحد عن هذه المشكلة والتعبيرمن وجهة نظرالشعوب المعانية بالذات. وكذلك بالنسبة للمضاعفات الصحية لهذا التلوث فلا بديل للعمل المشترك على مستوى المنطقة كلها باعتبارها مشكلة واحدة مشتركة بكل مظاهرها الصحية والنفسية والاجتماعية. ولهذا كله فعلى الاجهزة المسؤولة وذوي الاختصاصات الطبية في كل البلدان ذات العلاقة البدأ بالعمل مباشرة وتكوين اللجان البيئية والصحية المشتركة بين تلك البلدان من دون ضياع اكثر في الوقت وعلى وسائل الاعلام ان تبدأ ببث الوعي العام للتحذير من مواقع وكيفية تفادي المصادرالملوثة والسمومة والتوقي منها. ويمكن ان يبدأ  ايجاد القواعد المشتركة للردعلى تلك المشاكل بالاشكال الاتية  :

  1. استحداث لجنة عمل مشتركة لمكافحة التلوث البيئي واضراره الصحية مابين الدول المعنية ولممارسة الضغط عالميا لازالة النفايات المشعة من المنطقة تماما ليس بدفنها في صحرائنا لان هذه منطقة مأهولة ايضا وليست صندوق نفايات وانما باخراجها من المنطقة كليا. وكذلك الحلول والاحتمالات العملية لهذا ولمعادلة السموم الكيمياوية المتروكة او ازالتها ايضا ومناقشة الجوانب التي يقع على عاتقها ازالة هذه النفايات والسموم عالميا.
  2. السعي لتشكيل لجان علمية مشتركة لتبادل الدراسات والبحوث ابيئية والصحية مابين الدول ذات العلاقة في المنطقة والعمل على اساس المعلومات المتوفرة من خلالها بالتعقيب والتعمق في هذه الدراسات وبوضع الخطط المستقبلية بشأن السياسات المستقبلية بناءا على ماتوفره من مؤشرات.
  3. العمل لاستحداث مجلس خليجي للسرطان وامراض التلف الوراثي يقوم بالاشراف على البحوث والدراسات المتعلقة بها في المنطقة على الانسان والحيوان وكذلك الامراض والظواهر الاخرى التي تسببت عن الاشعاع والمواد الكيمياوية الغريبة السامة كالتشوهات الجنينية والعقم والمتلازمات الغير معهودة والتي تعزى كلها الى درجات وانواع ربما تكون غير مسبوقة من التلف الجيني. وذلك بالتعاون مع الجامعات والاقسام العلمية العربية والعالمية.
  4. يتم تحديد مدى وشدة الظواهر المرضية ومضاعفاتها النفسية واثارها الاجتماعية في البلدان  ذات العلاقة في كل المنطقة على اثرنتائج واستنتاجات هذه البحوث والدراسات بصورة جدية وعلمية تمكن من رسم الخطط الصحية ووضع الحلول المناسبة حاضرا ومستقبلا.  كما يستحسن تحديد اهداف تدريجية خمسية (على مدى كل خمس سنوات) لتحقيق اكبر قدر ممكن من هذه الخطط والاهداف واعادة النظر وتقييم النتائج وتجديد البحوث ...الخ
  5. تحديد اسس ثابتة ومتفق عليها في تشخيص وعلاج هذه الظواهرالصحية ووضع خطط وقائية مشتركة في المنطقة وذلك باخذ القواعد الطبية العالمية مع الظروف المحلية ونتائج البحوث والدراسات بنظر الاعتبار.
  6. تخصيص ساعات كافية في الاعلام العربي لبرامج التوعية العامة بهذه الاضراروالمضاعفات الصحية وماهيتها وكيفية  تفاديها والتوقي منها وذلك ضمن برنامج عمل مشترك في كل دول المنطقة في هذا الشأن.

 

وبهذا نختتم هذه السلسلة من المقالات حول الموضوع املين ان تكون اسباب المضاعفات الصحية بعد النزاعات في 1991 و 2003 ومدى عمقها واهميتها  قد توضحت لكي تحفز مافيه الفائدة للجميع.  

المصادر

 

  1.  Al-Ansari,Nadhir, Knutsson,Sven & Almuqdadi, Kadhim, 2014 . Engineering solution for Radioactive Waste in Iraq, Journal of Advanced Science and Engineering Research; 4 (1):18-36 (March)
  2. World Health Organisation (WHO) - media center, 2015. Cancer Fact Sheet no. 297 (February).

 

البريد الإلكتروني للكاتب: drmayramzey@yahoo.com

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك