للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

نتائج البحث

المعالجة البيولوجية لمياه الصرف الصحي

الكاتب : الدكتور الهادي بن منصور

أستاذ محاضر للتعليم العالي في علم السموميات - تونس

  • ما تقييمك؟

    • ( 3 / 5 )

  • الوقت

    08:03 ص

  • تاريخ النشر

    08 يونيو 2015

الكلمات المفتاحية :

  • منظمة المجتمع العلمي العربي
  • الدكتور الهادي بن منصور
  • المعالجة البيولوجية لمياه الصرف الصحي

الإطار النظري والاستعراض المرجعي

من أكثر المشاكل التي تهدد المياه اليوم هي مشكلة التلوث والمتسبب فيها غالباً هو النشاط الصناعي بجميع أنواعه، وخاصة صناعة النسيج "الصبغة"، والصناعة الغذائية "كمعاصر الزيتون مثلاً"، والصناعة الكيميائية "كاستعمال المعادن الثقيلة، والهيدروكربونات العصرية المتعددة الحلقات، إلخ". لكن تبقى الصناعة الدوائية هي الأخطر. ومن بين هذه البقايا الملوثة نجد المضادات الحيوية Antibiotics، حيث يبلغ الاستعمال السنوي العالمي 2 مليون طن، وهي كمية لا بأس بها، إثر الاستعمال المنزلي أو الاستشفائي أو عند التصنيع، فتقع في مجاري المياه لتلوِّث أغلب البيئات المائية بعد أن تمر بمحطات معالجة المياه الصرف الصحي. وقد أثبتت الدراسات عدم كفاءة هذه المحطات وقدرتها على إزالة المضادات الحيوية، والتي لا تتجاوز بعض الأحيان 10%، وذلك حسب الخصائص الفيزيائية والكيميائية لهذه المواد، وأيضاً للتكنولوجيا المعالجة المعتمدة. حيث أن العديد من الدراسات أثبتت وجود هذه المضادات الحيوية في مختلف البيئات المائية "في المياه السطحية والجوفية، وفي البحر، وفي مياه الشرب".

وقد أشارت العديد من الدراسات أن وجود المضادات الحيوية يؤثر تأثيراً مزدوجاً، حيث أنها تقضي على التنوع البيولوجي داخل البحار والأنهر والوديان، كما تؤثر سلباً على صحة الإنسان والحيوان سواء تأثيراً مباشراً بسبب التسمم الناتج على تفاعل هذه الجزيئات النشطة والمختلفة، لتصبح ذات فاعلية تسممية كبيرة، متسببة بذلك في العديد من الأمراض، منها السرطان، أو بشكل غير مباشر من خلال ظهور البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية والتي غالباً ما تكون ضارةً للإنسان ومسببة لعدوى مميتة. وتعاني مواردنا المائية أيضا من مشاكل أخرى وهي:

  1. ارتفاع التكنولوجيات التحليلية المستعملة
  2. فعالية هذه التكنولوجيات للكشف على المضادات الحيوية التي توجد بتركيزات منخفضة جداً
  3. وكشف قدرة هذه المواد مجتمعة على التسبب في الأمراض عند الإنسان "خاصة مرض السرطان".

 

موضوع البحث

اعتمدنا لتنقية المياه الناجمة عن صناعة المضادات الحيوية على نوع من البكتيريا تعرف في الأوساط العلمية باسم Pseudomonas putida mt-2، وقمنا بإزالتها من مواقع ملوثة بهذه المواد. وفي البداية قمنا بتخصيب البكتيريا لمدة طويلة، ثم قمنا بتكثيرها ووضعناها مباشرة على مياه ملوثة تم جلبها من إحدى المؤسسات المتخصصة في صناعة المضادات الحيوية في تونس، والتي أثبتت التجارب التي قام بها الباحثون والخبراء صعوبة في تنقيتها. قمنا في كل تجاربنا باستعمال المحرك البيولوجي Bioreactor حيث أظهرت البكتيريا قدرة كبيرة على النمو واستعمال المضادات الحيوية كمصدر لغذائها، وهو ما أدى إلى تقليص المواد الملوثة الذائبة الصلبةTDS  إلى 80%. وقمنا بعد ذلك بدراسة سمية الخلايا cytotoxicité لمياه الصرف للمصنع قبل وبعد معالجتها بالبكتيريا.

وتعلقت الدراسة بمنع تكاثر خلايا سرطانية بشرية مثل A549 سرطان الرئة، وHCT15 سرطان القولون، وMCF7 سرطان الثدي، وU373 سرطان الدماغ، وأثبتت تقلص تكاثر هذه الخلايا بصفة ملحوظة عند تعرضها لمياه المصنع المحملة بالمضادات الحيوية وهو ما كان جلياً خاصة على خلايا الدماغ. ومن أجل فهم حساسية خلايا الدماغ تجاه هذه الملوثات قمنا باستعمال ما يعبر عنه باختبار المذنبات Comet assay، والذي بإمكانه كشف الضرر الذي لحق بالحامض النووي DNA عند الخلايا. أثبت الاختبار أن وجود هذه المضادات الحيوية مجتمعة كما هي في هذه العينة من المياه تصبح سامة جدّاً وتتسبّب في ضرر يفوق 87% في الحامض النووي DNA. ويمكن أن يكمن الحل في استعمال البكتيريا التي قلصت سمية هذه الملوثات إلى أكثر من 50% فيما يخص تكاثر الخلية السرطانية أو التأثير على الحامض النووي. نستطيع إذاً استنتاج قدرة هذه البكتيريا على تفتيت هذه المواد السامة.

استراتيجية البحث ومنهجيته

قمنا في دراسة سابقة بالبحث على بكتيريا في الوسط الملوث بالمضادات الحيوية، وهذا مكننا من اكتشاف أحد أنواع البكتيريا وهي Pdeudomonas putida، وهي بكتيريا غير ضارة. خلال هذه الدراسة قمنا بتخصيبها جيداً "تكثيرها"، وذلك بزرعها على وسيط نقوم بزيادة تركيزاته "بزيادة النسبة" من المياه الملوثة بالمضادات الحيوية وذلك بهدف تمرينها وتحضريها وإعطائها القدرة اللازمة للمعالجة. وتهدف هذه العملية لتفعيل الإنزيمات الضرورية لتفتيف المضادات الحيوية التي عادةً ما تكون في مرحلة سبات Inducible. وعند الحصول على كمية كبيرة من الكتلة البيولوجية وهي حوالي 1.2 غرام في اللتر، نقوم بإضافتها مباشرة باستعمال المحرك البيولوجي Bioreactor. وجدير بالذكر أن المحرك البيولوجي يوفر ظروفاً مواتية جداً "درجة الحموضة، ودرجة الحرارة، والأكسجين، إلخ" لنمو البكتيريا وسرعة المعالجة البيولوجية. تتمثل هذه التجربة في تحضير المحرك البيولوجي الذي يحتوي على حجم نهائي يوازي 2.5 لتر، يتألف من 2.450 لتر من الأدوية السائلة، و45 مل من الكتلة الحيوية البكتيرية ويستكمل بـ 5 مل من السكر. وتجرى التجربة وفقاً للشروط التالية: درجة الحرارة 30 درجة مئوية، ودرجة الحموضة = 7، ويقع التحريك 200 دورة في الدقيقة. بعد 6 ساعة من بداية معالجات المياه الصناعية المحملة بالمضادات الحيوية، قمنا بأخذ عينات، قدر كل واحدة منها 20 مل، والتي أجرينا عليها التحاليل الآتية:

1.  نمو البكتيريا وفقاً للمعادلة  - أدناه

الكتلة الحيوية Cell Dry Wight "غرام/لتر" = الكثافة البصرية في 660 نانومتر× 0.660

 .2في حين نقوم بإزالة البكتيريا، من العينات الأخرى والتي تجرى عليها تجارب سمية الخلايا السرطانية البشرية واختبار المذنب لتحوير الجيني.

 

سمية الخلايا cytotoxicity

نقوم خلال هذه التجربة باختبار النسبة المئوية للخلايا التي بقت على قيد الحياة والتي ماتت وذلك تحت تأثير المياه الصناعية الملوثة بالمضادات الحيوية، قمنا بتجربة هذه الأخيرة مباشرة أو بعد تخفيفها في الماء حسب الترتيب التصاعدي الآتي: 0%، 20%، 40%، 60%، 80% و90%. أجرينا هذه التجربة على أربع أنواع من الخلايا السرطانية البشرية وهي: A549 سرطان الرئة، وHCT15 سرطان القولون، وMCF7 سرطان الثدي، وU373 سرطان الدماغ. بعد 24 ساعة من تعرضها إلى المياه الملوثة، نقوم بزيادة ملون MTT لديه ميزة خاصة على تلوين الخلايا التي هي على قيد الحياة فيتيح لنا إمكانية التعرف عليها وإحصائها. نقوم بعد ذلك برسم منحنى سمية على الخلايا، وهذا ما يتيح لنا إمكانية تحديد التركيز من الملوثات القادرة على كبح 50%، من الخلايا السرطانية. وجدير بالذكر أن التجربة تعلقت بالمياه الصناعية قبل معالجتها بالبكتيريا وبعدها.

إختبار المذنب Comet assay

استخدمنا اختبار المذنب مع الخلايا سرطان الدماغ U373 للكشف عن الضرر الذي يمكن أن يصيب الحمض النووي DNA. ويتمثل هذا الاختبار في وضع الخلايا السرطانية، إثر تعرضها للمياه الملوثة قبل وبعد معالجتها بالبكتيريا، على شفرات مصنوعة من زجاج خاص، وهو ما يشتمل على تغليف الخلايا في أغاروز منخفض ذو درجة ذوبان منخفضة وثم تحلل الخلايا في ظروف معتدلة أو قاعدية "pH>13"، وبعدها إجراء الرحلان الكهربائي، وبعد ذلك يحلل الدنا DNA المصبغ لتحديد الضرر به. هذا، ويمكن أن يقوم بهذه الطريقة أوتوماتيكيا بواسطة برنامج على الحاسوب. ما مجموعه 100 من المذنبات على كل شريحة، ولكل تركيز من مياه الصرف المعالجة وغير المعالجة يقع إحصائها بصرياً وفقاً لشدة نسبية المضان في الذيل وتصنيفها على أنها تنتمي إلى واحدة من خمس فئات. ونقيس بعد ذلك طول ذيل المذنب الذي يكون في علاقة متينة لتقييم مستوى الأضرار التي لحقت بالحمض النووي.

النتائج ، الخلاصة والتوصيات

من أهم ما نستخلصه من هذه النتائج أن اختبار المذنب يمكّننا من استقراء الضرر الذي يمكن أن يلحق بالإنسان إذا تعرض لهذه الملوثات، فهي قادرة على أن تحدث مرض السرطان. ضمن هذا السياق تمكّنا في دراسات حديثة جداً من اكتشاف كميات كبيرة من هذه المضادات الحيوية في الشريط الساحلي، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي التونسي من أهم أسباب ظهور بكتيريا مقاومة للمضادات الأكثر شيوعاً، كما تمكنا من اكتشافها في نوع من الرخويات Mytilus galloprovincialis. وبناءً على نتائج هذا البحث، نرى من واجبنا دق جرس الإنذار ولفت نظر السلطات التونسية لمزيد من المراقبة والبحث عن حل جذري. ولهذا التلوث دلالتان إثنتان:

1. المخاطر التي أصبح يمثلها هذا النوع الجديد من التلوث وإمكانية إصابة الإنسان به أو بالبكتيريا الناتجة عنه

2. وجود هذه المضادات يدل على عدم قدرة محطة المعالجة على إزالتها.

هذه الملاحظة الثانية أدت بنا إلى البحث عن طرق جديدة لإزالة المضادات من المصدر، حيث أثبتنا أن استعمال بكتيريا peseudomans putida قادرة على تفتيت المضادات بل تقليص قدرتها التسممية بصفة ملحوظة تصل إلى أكثر من 50%. نحن نسعى في الوقت الحالي لاستعمال هذه البكتيريا على مستوى شبه صناعي وصناعي، ونتمنى التعاون مع الباحثين العرب لمزيد تطوير العمل المشترك لتطبيق هذه الطريقة البيولوجية لمعالجة المياه الملوثة لحماية مواردنا المائية، وبالتالي صحتنا.

المجالات التي قد تفيد فيها نتائج الدراسة واستخلاصاتها العامة

يمثل تلوث مياهنا في الوطن العربي ومنها تونس، تحدياً كبيراً للمحافظة على مواردنا المائية من جهة والمحافظة على صحة الإنسان من جهة أخرى. ذلك لأن سوء استخدام المضادات الحيوية "133 جرعة مضاد حيوي سنوياً في العالم" وعدم تطوير تقنية فعالة لمعالجة المياه التي تحتوي على هذه المواد له أثر سلبي على المحيط وعلى صحة الإنسان.

من أهم المجالات التي يمكن أن تفيد فيها دراستنا هي تنصيب محطة معالجة مختصة تستعمل Pseudomonas putida لمعالجة المياه الناتجة عن مصانع الأدوية والمستشفيات لإزالة المضادات الحيوية، وخصوصاً تجنب معالجة هذه الأنواع من النفايات في المحطات الكلاسيكية لمعالجة مياه الصرف الصحي. تعتبر هذه التقنية لمعالجة مياه الصرف بطريقة بيولوجية واعدة باعتبار قدرتها على إزالة  الملوثات من مياه الصرف وعدم تكلفتها وكفاءتها العالية، وهو ما يحفز الدول العربية للاهتمام بمفهوم التنمية المستدامة. نقترح أيضاً استخدام اختبار المذنب كاختبار متفق عليه وموثوق به للتنبؤ بالتأثير المسرطن للمياه الملوثة.

مزايا أخرى ذات صبغة خاصة

علاوة على انخفاض التكلفة هناك الكفاءة العالية، والحفاظ على البيئة، وعلى صحة الإنسان. ومع ذلك، في دراساتنا الأخيرة أثبتنا أن هذه الطريقة التي تستخدم البكتيريا في المعالجة، أفضل من الطرق المستخدمة حالياً في تونس، وأنها قادرة على الوصول بالتنقية إلى درجة تجعل استعمال المياه المعالجة بها آمن للري والزراعة. كما تمكّنا من اكتشاف أحد الرخويات Mytilus galloprovincialis، وأهمية هذه الرخويات هي قدرتها الفائقة على تجميع وتركيز في داخلها المضادات الحيوية، وبذلك سهّلت كثيراً مهمتنا في اكتشاف المضادات الحيوية الموجودة وتأثيرها على الإنسان أيضاً، وذلك باستعمال اختبار المذنب الذي أصبح يمثل تقنية جديدة للرصد البيولوجي .Bioassay


المرجع

 

المقال بنسخة PDF تجدونهُ أعلى الصفحة

 

البريد الالكتروني للكاتب:  hdbenmansour@gmail.com

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك