للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

طفل من أب وأمّين

الكاتب : د. طارق قابيل

أستاذ التقنية الحيوية المساعد - جامعة الباحة

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    09:55 ص

  • تاريخ النشر

    16 فبراير 2015

أصبحت بريطانيا أول دولة في العالم تسمح بتقنية الإخصاب الصناعي الثلاثي العلاجية، لتصبح المملكة المتحدة أول بلد في العالم، تقنن إجراء هذا النوع من التلقيح الاصطناعي بعد أن صوت نواب مجلس العموم هناك بالموافقة على السماح بالتبرع بالميتوكوندريا لأول مرة في العالم فى خطوة وصفت بأنها تاريخية، وتنتج هذه التقنية أجنة تحمل الصفات الوراثية لثلاثة أشخاص مختلفين، وباتت بريطانيا، قاب قوسين أو أدنى، من السماح بولادة أطفال من "أب وأمّين" ومن المحتمل أن ولادة أول طفل في العالم يحمل حمضا نوويا من ثلاثة أفراد بالغين ستتم في بريطانيا عما قريب.

وتعد بريطانيا أول دولة في العالم تقوم بتشريع يسمح بالتخليق المعملي لأجنة تحمل الصفات الوراثية لثلاثة أشخاص مختلفين بعد أن بحث نواب البرلمان البريطاني التقنية الجديدة التي تتضمن تغيير الخارطة الجينية التي تتوارثها الأجيال، وذلك بموجب قانون "التخصيب البشري وعلم الأجنة". وبت النواب بالموافقة على تبرع النساء بعضية "الميتوكوندريا" الخاصة بهن، بهدف مساعدة نساء أخريات على إنجاب أطفال غير مصابين بأمراض خطيرة مرتبطة بالميتوكوندريا التي تؤدي إلى وفاة الأطفال المصابين بعد عام أو اثنين من ولادتهم. ويقول الأطباء إن هذه التقنية ستحول دون توارث الأمراض المستعصية وأن الحمض النووي الموجود في الميتوكندريا مختلف عن الحمض النووي الموجود في نواة الخلية ولا يؤثر على الصفات البشرية كلون الشعر أو العين والمظهر أو السمات الشخصية، بينما يقول منتقدوها إنها خطوة نحو إنجاب "أطفال حسب الطلب".

الميتوكوندريا

لغالبية الناس فإن كلمة "ميتوكوندريا" Mitochondria، أي الحبيبات الخيطية، أو «المتقدرات» لا تعني شيئا. ولكن من يهتم قد يجد وصفا لها في أي كتاب من كتب علم الأحياء في المرحلة ما قبل الجامعية. فعضية الميتوكوندريا أحد مكونات الخلية الحية حقيقية النواة، وتسمى الحبيبات الخيطية (أو المتقدرات)، وهي التراكيب أو بنى (عضيات) داخل الخلايا تعمل كبطاريات دقيقة مولدة للطاقة في خلايا الإنسان، وتحول الطاقة المختزنة في المواد الغذائية إلى شكل يمكن للخلايا استخدامه. وإذا حدث بها خلل، تفقد القدرة على تصنيع الطاقة بشكل جيد مما يؤثر على نشاط وحياة الخلية. يحتوي الحمض النووي للميتوكوندريا «mtDNA»، أو الحمض النووي بالمُتَقَدِّرات على 16 ألف قاعدة، ولا يحتوي على إنترونات Introns، ويتواجد منه ما بين 2000 إلى 3000 نسخة في كل خلية. ونشأت الميتوكوندريا التي تمد الخلايا حقيقية النواة بالطاقة من بدائيات النوى وتحتوي على جينوم مختزل بشكل كبير يُرمِّز حصريا لبروتينات الغشاء للسلسلة التنفسية.

وريبوسومات الميتوكوندريا، أو الميتوريبوسومات، متخصصة بدرجة عالية لترجمة الجينات المرمَّزة بواسطة الميتوكوندريا. وحدوث الطفرات في الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا mtDNA يسبب أمراضًا بشرية مختلفة يتم توارثها عن طريق الأم، لأن كل المُتَقَدِّرات اللَاقِحِيّة مستمدة من البويضة. والطفرات الوراثية التي تحدث في الميتوكوندريا قد تكون سبب رئيسي لأمراض تصيب الأطفال والكبار وتختلف الأمراض باختلاف الطفرة الوراثية. ويتم توريث الطفرة الوراثية عن طريق الأم فقط، ولا يتم توريثها عن طريق الآباء، بسبب أن الحيوانات المنوية لا تشارك إلا بعدد قليل جداً ويكاد يكون معدوم من الميتوكوندريا بعكس البويضة، كما أن هناك آلية خلوية للتخلص من الميتوكوندريا المحمولة عن طريق الحيوان المنوي.

ومثل هذه الطفرات نادرة، لكن قد تنشأ عنها مصاعب ومشكلات كثيرة، بما فيها تلف الأعصاب، وقصور القلب، وفقدان النظر. ويولد طفل بين كل 4000 طفل في أميركا مصابا بأمراض موروثة مرتبطة بالميتوكوندريا، إذ لا يوجد علاج لها، والقليل فقط من المصابين يعيشون حتى سن البلوغ. ويولد واحد من بين كل 200 طفل بميتوكوندريا تحمل حمضا نوويا معطوبا، وتعاني حوالي 2500 سيدة في بريطانيا من أمراض متعلقة بالميتوكوندريا. وبحسب صحيفة "ذي إندبندنت" فإن هناك ما يقرب من 5 آلاف طفل قد يعانون أمراضًا مستعصية منقولة وراثيًّا من الأم في بريطانيا خلال 30 عامًا. وهو ما سيفتح باب الأمل أمام العديد منهن باللجوء إلى التقنية التبرع بالميتوكوندريا.

تاريخ حافل ونجاحات رائدة

وكان العلماء قد أجروا اختبارات تناولت مادة وراثية مجمعة من ثلاثة أشخاص لتكوين طفل، بعد أن قام الباحثون في ولاية نيوجيرسي قبل 15 سنة بحقن جزء من سائل خلية من بويضات متبرعة في بويضات نساء كن يشكون من مشكلات في الخصوبة. وقد أثارت هذه الاختبارات التي أعقبت استنساخ النعجة دولي بوقت قصير، موجة من الصخب، مما دفع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلى إبلاغ الباحثين بالتوقف عن اختباراتهم، ما لم يحصلوا على ترخيص خاص مسبق.

وتاريخياً فإن أول من طور هذا العمل الذي وصف بأنه اختراق علمي كبير هو العالم الأميركي سقراط ميتاليبوف وزملاؤه.  وثابر ميتاليبوف الذي يبلغ من العمر 52 سنة من أصول كازاخستانية، ولا تستطيع غالبية الأميركيين لفظ اسمه على تجاربه في المركز الوطني لأبحاث فصائل القردة العليا التابع لجامعة الصحة والعلوم في ولاية أوريجون، الذي هو واحد من ثمانية مراكز تعتني بهذا الشأن في البلاد، وأمضى سنوات في استكمال وإتقان أسلوب لإنتاج بويضات قرود بميتوكوندريا جرى التبرع بها. وأقنع مطوري البرمجيات الكمبيوترية اعتماد برنامج يتيح مشاهدة العمليات الجراحية الدقيقة بالزمن الحقيقي. كما جرى تطوير مجهر خاص يتيح للأيادي البشرية البليدة إجراء العملية عن طريق عصا قيادة. وجاء النجاح في عام 2008م في غرفة مختبر مظلمة ساخنة. وفي 24 أبريل 2009م ولد قردان هما «ميتو» و«تراكر» عن طريق ميتوكوندريا مستبدلة. وكان ميتاليبوف وزملاؤه قد أثبتوا سابقًا صحةَ مفهوم استبدال الحمض النووي بالمُتَقَدِّرات mtDNA، من خلال نقل مغزل الكروموسوم في بويضات قرد المكاك (الآسيوي)، وهنا استخدموا هذه التكنولوجيا للبويضات البشرية. وقدموا أيضًا تقريرًا عن صحة قرد ماكاك في عمر ثلاث سنوات من مواليد بويضة، تم استبدال الحمض النووي الخاص بمُتَقَدِّراتها. ومهد هذا العمل الطريق لاستبدال الحمض النووي بالمُتَقَدِّرات mtDNA وجعل هذه التقنية حقيقة واقعة.

وقام ميتاليبوف في وقت لاحق، مع بعض التعديلات، بتقليد الأسلوب، ولكن على بويضات بشرية، لكن لم يسمح لهذه البويضات أن تنضج نظرا لأن القوانين الاتحادية في أميركا تمنع استغلال مثل هذه الأمور الخاصة بالمورثات. وطور ميتاليبوف هذا العمل عن طريق إتمام وإتقان نسخة من أصغر وأدق عملية جراحية في العالم، ألا وهي عملية إزالة نواة من بويضة بشرية ووضعها في بويضة أخرى. ويكمن أسلوب ميتاليبوف في وضع نواة من بويضة الأم في بويضة المتبرعة التي انتزعت منها نواة، وبذلك تتخلف الميتوكوندريا المعطوبة التي تعوم خارج النواة في سيتوبلازم البويضة هذه.

تقنية الإخصاب الصناعي الثلاثي

يُعرف هذا الأسلوب، الذي يدور حوله الجدل، باسم "التبرع بالميتوكوندريا" أو "الإخصاب الصناعي الثلاثي" لأنَّ النسل سيتضمن جينات من الأم والأب ومن أنثى متبرعة. وتتضمن هذه العملية، التدخل في عملية الإخصاب لإزالة الميتوكوندريا التالفة من الحمض النووي «دي إن إيه» والتي تتسبب في حالات مرضية وراثية عديدة. والقصد من هذه العملية هو مساعدة النساء على ولادة أطفال من دون المرور بالعيوب الوراثية الموجودة في الميتوكوندريا الخليوية التي تملك مجموعاتها الخاصة من المورثات الموروثة بدورها من الأم فقط. والأمهات اللواتي يحملن مثل هذه التحويرات والتغيرات يكن متشوقات بأن لا يمررنها إلى أطفالهن. وبدورهم، اتبع ديتر إيجلى وزملاؤه نهجًا مختلفًا؛ فقاموا بـنقل الجينوم النووي بين بويضات بشرية غير مخصّبة من متبرعتين مختلفتين. واحْتَفَظَت البويضات الناتجة بِـالقدرة على النمو لطور الكيسَة الجَنينِيَّة، وإنتاج خطوط خلايا جذعية جنينية بأنماط نووية طبيعية. وهذه التقنية لها قدرة على الوقاية من انتقال طفرات الحمض النووي الخاص بالمُتَقَدِّرات mtDNA، دون التسبب في التشوهات الناجمة عن التلاعب بالنمط النووي.

مازال الجدل مستمراً

الطفل الذي يولد نتيجة هذا الأسلوب سيكون حاملاً مورثات من ثلاثة أشخاص، هم الأم والمرأة المتبرعة ببويضتها، والأب. وهذا ما يشجبه الأخلاقيون. وكانت قضية التبرع بالميتوكوندريا قد قُتلت بحثًا على أيدي عدة لجان من الخبراء في بريطانيا بما في ذلك هيئة الإخصاب البشري وعلوم الأجنة ومجلس نفيلد للأخلاقيات الحيوية. ورحَّب كثيرٌ من العلماء والعاملين في المجال الطبي بقرار الحكومة المضي قدماً في إنفاذ تلك التقنية وجعلها واقعاً. حيث أثارت هذه التقنية جدلا واسعا في بريطانيا، واعتبرت جماعات دينية ومنتقدون آخرون أنها ستفضي إلى إنجاب "أطفال حسب الطلب" معدلين وراثيا.

وقد أثارت هذه المسألة انتقادات واسعة من جميع أرجاء الولايات المتحدة أيضا، عندما حاول ميتاليبوف إقناع هيئة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية بأن الأسلوب الذي جرب أولا على القردة بات جاهزا لاختباره على البشر. وكان البعض قد أبلغ المسؤولين في الإدارة أن الأسلوب قد يدخل تشوهات وراثية جديدة في مجموعة المورثات البشرية، في حين حذر الآخرون من أنه قد يستخدم لاحقا ربما في أمور أخلاقية أكثر ضبابية، بغية هندسة أطفال تكون لهم صفات ومميزات محددة. ولكن ميتاليبوف رفض هذه التحذيرات، لكون الحمض النووي الميتوكوندري مؤلفا من 37 جينا فقط تقوم بالإشراف على إنتاج الإنزيمات والجزيئات التي تحتاجها الخلية للطاقة. وهي ليست لها أي علاقة بالصفات، مثل لون العيون والشعر المشفرة رموزها في النواة. وقد أثار بحثه الكثير من الانتقادات أيضا، لكن لو قدر لهذه الإجراءات أن تستمر وتنفذ، لكانت قد وصلت إلى نتيجة براقة، واستبدال الميتوكوندريا قد يكون إجراء ضيقا، لكن أساليب ميتاليبوف الوراثية قد تؤدي إلى تطبيقات أوسع فى نهاية المطاف.

وكانت جمعيات خيرية مؤيدة للتقنيات المستحدثة قد حثت المشرعين البريطانيين على الموافقة على هذه التقنية العلاجية، قائلة: إن الاقتراع يمثل "أول بصيص أمل" لأسر ترغب بأن يكون لها طفل يعيش دون ألم ومعاناة. وقال روبرت ميدوكروفت الرئيس التنفيذي لحملة ضمور الأعصاب: "توصلنا أخيراً إلى معلم بارز على الطريق لمنح المرأة خياراً لا يقدر بثمن، ألا وهو أن تصبح أماً دون خشية أن تظل طول العمر خائفة من نقل أمراض الميتوكوندريا لطفلها". وحثَّت الجمعيات المشرعين البريطانيين على اغتنام فرصة أنْ تصبح المملكة المتحدة أول دولة في العالم تسمح بتقنية الإخصاب الصناعي الثلاثي العلاجية للأسر التي تريد ألا تنقل أمراضًا مستعصية لأطفالها. وفي رسالة مفتوحة قبل الاقتراع البرلماني، قالت هذه الجماعات: «إنَّ هذه الفرصة تُقدِّم للأسر أول بصيص أمل أنَّ بمقدورهم أنْ يكون لهم طفلٌ يعيش دون ألم ومعاناة»، إلا أنَّ المنتقدين يخشونه، قائلين إنَّه يسمح بولادة «أطفال حسب الطلب» لأنَّه يتضمَّن زرع أجنة معدَّلين وراثيًّا في رحم الأمهات، فيما قالت فيونا بروس، النائبة عن حزب المحافظين، إنه يرقى إلى "إطلاق المارد من القمقم". وقالت أثناء جلسة البرلمان "ماذا سينتج عن ذلك؟ الإجابة هي أن علينا أن نتوقف هنا. الإجابة هي أنه يجب أن نقول إن هذا خط أحمر في بلادنا مثلما هو كذلك في أي دولة في العالم يتعين ألا نتجاوزه".

ووافق البرلمان البريطاني، يوم الثلاثاء الماضي (3 فبراير 2015م)، على التبرع بالميتوكوندريا أو الإخصاب الصناعي الثلاثي وذلك بموجب قانون 'التخصيب البشري وعلم الأجنة'. وتسمح التقنية الطبية الجديدة بإنجاب أطفال يحملون صفات وراثية لأكثر من أبوين عن طريق عمليات أطفال الأنابيب، وتمكن التقنية الجيدة من تخصيب بويضة من أم مصابة، بالإضافة إلى بويضة أخرى من متبرعة غير مصابة، ثم يقوم الأطباء فيما بعد بالتخلص من النواة من خلية الجنين المصاب الذي يحمل خصائص وراثية للأبوين بنسبة 99.9 بالمئة، تاركين الميتوكوندريا المعيبة.

وصوت نواب بمجلس العموم البريطاني لصالح السماح للعلماء بتخليق أجنة من الحمض النووي لثلاثة أشخاص. ومن شأن هذه الخطوة أن تمنع بعض الأجنة من وراثة أمراض يحتمل أن تكون قاتلة من أمهاتهم، وجعلت بريطانيا أول بلد فى العالم يسمح بتعديل الأجنة وراثيا. وبعد جدل صاخب استمر 90 دقيقة، انتقده بعض المشرعين بوصفه وقتا قصيرا بالنسبة لموضوع خطير كهذا، وافق البرلمان البريطاني في الاقتراع، وجاء تصويت مجلس العموم بواقع 382 صوتا مؤيدا و128 صوتا معارضا، ويتعين أن يقر المشروع مجلس اللوردات قبل أن يصبح قانونا. ويحذر المشككون في التقنية العلمية الجديدة من أنها قد تؤدي إلى إنجاب أطفال "مصممين"، إلا أن الأستاذ الجامعي ديم سالي ديفيس الذي يشغل منصب كبير مسؤولي الصحة في بريطانيا، قال إن تلك التقنية قد تجنب الأطفال المعرضين للإصابة بالمرض، معاناة كبيرة. ولكن هناك بعض التحفظات على إجراء التعديلات الجينية على البشر حتى لا يتم استغلالها في أغراض قد تكون سياسية كما حدث من قبل مع النظام النازي فيما عرف باسم تحسين النسل عن طريق إجراء تناسل انتقائي. وبالرغم من هذا الجدل تبقى نقطة الالتقاء بين الفريقين هي أن هذه التقنيات المتطورة يجب أن توضع في مسارها الصحيح في إطار المساهمة في إنجاب أطفال أكثر صحة وسلامة جسدية وتجنب ظهور الأمراض الوراثية قدر الإمكان وألا يستغل هذا في التحكم في صفات جسدية شكلية قد تضر بصحة الجنين مستقبلاً.

 

البريد الإلكتروني للكاتب: tarekkapiel@hotmail.com

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك